الموقع الشخصى للقاص المصرى خالد السروجي

Sunday, August 20, 2006

الآفــــــاق



بدافع من القلق حاول ان يلقي بنظرة سريعة علي الاولاد وهم يلعبون علي حافة البحر, فحدث ما حدث

دوار..فزع..اصوات تحذير..تقريع ..صفعات..عصي..صور متتالية سريعة..ادار وجهه بعنف متحولا عن البحر. انتبهت زوجته علي حركة تحوله العنيف:
_ما بك ؟!!

_ لاشئ..لا شئ
صمت قليلا, ثم قال بصوت منهك :
_ راقبي الاولاد فقد يغريهم البحر بنزوله.

اعطي ظهره للبحر مستندا علي الكرسي الصغير..

اغمض عينيه قليلا, ثم قال بصوت امر :

_ استدعيهم الان...البحر غدار

كان حانقا علي نفسه لانه استجاب لضغوط زوجته في الذهاب للبحر. وقرر ان يكون صلبا بعد ذلك في مواجهة
تلك الضغوط...... استمر في اغماض عينيه , واستسلم للتفكبر في متاعبه بمتوالية من المشاعر والمشاهد في
رحلة ذكريات , اسلمته في النهايه بعد ان شعر بالاجهاد الي يأس مطبق.............................

" ...قلق مبهم متوتر عندما يواجه اتساعا لانهائياكالبحر او
الصحراء او السماء..لذلك لم يحب البحر . واذا ذهب اليه مضطرا فهو لاينظر ناحيته كثيرا .. وحتي وهو لا
يحملق فيه كان لا يفارقه احساسه بذلك التوتر والقلق المبهم , ولا تغادره الرغبة في الابتعاد عن المكان حتي
ينعم بالسكينة. فبطبيعته لم يكن يستشعر الطمانينة في الاماكن المفتوحة, فهناك دائما احتمال لمجئ الخطر من اي اتجاه, بعكس امان الاماكن المغلقة..لم تكن تلك هي كل متاعبه ,اذ كان يعاني ايضا من الخوف المفرط حال نظره من الاماكن العالية عندما تطل علي مشاهد فسيحة ..

.كان لايزال يشعر بالدوخة والانهاك , واستمر مغمض العينين ليغيب احساسه بالمكان . ولكن هدير الموج ورائحة البحر المميزة كانت يعيده باستمرار الي حضور المكان....
__ اذهبي انت واحضريهم. وليرتدوا ملابسهم بسرعة


كانت مشاهد الاتساع اللانهائي والنظر من علو شاهق يختلط فيها الخوف والقلق مع رغبات غريبة مصحوبة

بذكريات باهتة عن والده , جميعها تتعلق بصفعات واوامر وتحذيرات في امور شتي. وصور باهتة من ذكريات سنوات التعليم الاولي, كانت العصا قاسم مشترك فيها.. عقاب علي الكلام او الخطا في الاجابة عن سؤال ما,او شرود طارئ ..وربما يتوارد غلي ذهنه في تلك اللحظات انواع اخري من العقاب تلقاها في حياته لاسباب كثيرة بدءا من والد وانتهاء بمديره المباشر في العمل..كان منذ وقت مبكر قد الزم نفسه باتخاذ الحيطة والحذر في تصرفاته والا يسمح لنفسه باي خطا, ورغم ذلك كانت توجد اخطاء وعقوبات.

حمل حقيبة مستلزمات البحر.كانت حركته مسرعة رغم اعاقة الرمال . واصبح يتقدمهم بعدة امتار. بدت حركته السريعة علي رمال الشاطئ متنافرة مع حركات رواده البطيئة المتكاسلة..لحقت به زوجته وهي تبذل مجهودا خارقا في مقاومة ثقل الرمال للحاق به .....
__ انت تظلم الاولاد...تحرمهم من كل المباهج
__ انا احافظ عليهم .. كان ابي يخاف علي ايضا
__ لم يمكثوا في علي الشاطئ اكثر من ساعة. ومنعوا من النزول فيه حتي باشرافك
__هذا كاف جدا.. لم احظ باكثر من هذا في طفولتي

تذكر فجاة انه لم يستطع منذ طفولته , ان يتابع عصفورا يطير في السماء ..وتذكر ايضا البلكونة‍‍‍‍‍‍11..

اوقعه ما اعتبره " حظه العاثر " في سكني شقة بالطابق السابع من عمارة جديدة , انتهي مطافه في السعي اليها بعد رحلة مضنية في االبحث عن شقة تلائم امكاناته المالية للزواج بها ..
رغم انه كان يستشعر الغصة تجاه شقة الطابق السابع ,الا انه روض نفسه لسنوات علي عدم الاقتراب من البلكونة التي تطل علي منظر بديع وفسيح وتري جزءا من البحر, فقد كانت المنازل حوله واطئه مما يسمح برؤية المنطقه الفسيحة من اعلي بشكل بانورامي..وفي المناسبات القليلة التي اضطر فيها الي دخولها ,كانت بالنسبة له تجارب مريعة..فبعد نظرة غير متعمدة القاها من خلالها, انتابته نوبة او رغبة قاهرة في القاء طفله الرضيع الذي يحمله منها , مما اضطره الي الخروج مهرولا. ولفترة طويلة بعد هذه الواقعة ليس فقط مواظبا علي عدم دخولها , وانما حرم علي نفسه مجرد النظر ناحيتها.. ولكنه اضطر الي دخولها بعد عدة سنوات من هذه الواقعة. حيث كان يحاول النوم حسب عادته وقت الظهيرة, واذا بصياح الاولاد الاتي من البلكونة يزعجه بشدة . وبعد عدة محاولات لتجاهل الاولادوصياحهم , اندفع كالثور الهائج ناسيا كل شيئ, صائحا في الاولاد بصوته الاجش. ادي ذلك الي توقف الصياح وسيادة السكون المفاجئ. كان قد استند الي الجدار غير المرتفع وهو يصيح في الاولاد . ثم حانت منه نظرة عفويه لاسفل فانتابه دوار.

. وبعد ثوان قليلة استبدت به رغبة قاهرة في ان يلقي بنفسه من البلكونة. كانت الرغبة قاهرة الي الحد الذي جعله يتصرف كالمسحور. اذ رفع احدي قدميه لتمر من فوق السور , ثم قفز ليصبح راكبا عليه كما لو كان يركب حصانا. ثم استفاق علي صراخ الاولاد , واستطاع بمجهود عضلي وعصبي جبار ان يعيد ساقه من خارج البلكونة الي داخلها, ثم انطلق مهرولا الي الداخل والقي بنفسه علي سريره ذاهلا . واخذ يفكر منفعلا فيما فعله. كيف وقع في الخطا رغم كل حرصه ؟! وكيف تخلي عنه صوت الحذر المقيم بداخله؟! ..لام نفسه بشدة علي تلك الحماقة بدخول البلكونة وعلي تفاهة السبب..ثم شعر بالخجل عندما تذكر ان الاولاد شاهدوه في هذا الوضع .. ثم بشئ من الارتياع بدأ يتسائل : ماذا لو حاولوا تقليده ؟!! اصابه هذا الخاطر بالارتياع , فحاول ان يبعده عن خاطره..


استبدت به رغبة للنظر الي الخلف . قاومها بزيادة سرعة سيره..خاطبهم بصوت امر دون ان ينظر الي الخلف:
__ اسرعوا....

نظر بعين زائغة الي حركة السيارات في نهر الطريق..لازال يعاني من الدوخة..
__ تاكسي
توقفت سيارة الاجرة.. حشرهم فيها علي عجل, ثم القي بنفسه بداخلها ..وعندما استقر في جلسته اخذ نفسا عميقا

-
بعد واقعة ركوب البلكونة مباشرة , اصدر الي زوجته امرا باخلاء ساحتها من اي شئ يمكن ان يقرب الاولاد من السور. واصبح من عاداته اليوميه ان يراقبهم من بعيد وهم يلهون في البلكونه, علي ان تتولي زوجته ذلك في غيابه تحسبا لاي اخطار متوقعة, وحتي يتسني التدخل في التوقيت المناسب للانقاذ..ورغم تلك الاحتياطات فان فكرة ان الاولاد حتما سيقلدونه,كانت قد سيطرت علي ذهنه تماما..وكيف لا بفعلون وهو مثلهم الاعلي وقد رأوه يفعل ذلك ! كما ان المحاولة لا تخلوا من الاثارة خاصة في مثل اعمارهم. لذلك اصبحت رقابة الاولاد عن بعد وهم في البلكونة طقسا يوميا مشحونا بالتوتر..

اصبحت تنتابه احلام يقظة تتبادل فيها وجوه والده ومدرسه ومديره في العمل, يؤنبونه علي فعلته , وتطوف في ذهنه كل المشاعر والحوادث التي مرت به عند النظر من الاماكن العالية او الاتساعات اللا نهائية.وتنتابه في اثناء ذلك قشعريرة وارتجافات بالجسد..صعقه خاطر ان يكون الاولاد قد ورثوا عنه لعنة تلك المشاعر. وبشكل فجائي قرر ان يجري لهم اختبارا حول هواجسه. ورغم ان الليل كان قد انتصف ورغم اعتراضات زوجته, فقد اصر علي ايقاظ الاولاد من نومهم ..وعندما وقفوا امامه بدوا وكانهم مذنبين يتعرضون للاستجواب. وكانوا يفركون في عيونهم لازالة خدر النوم..
سالهم بصوت امر
:- هل تعرفون فرافيرو العجيب
قال الاصغر
:- لا
صمت قليلا ثم عاود السؤال
:- هل تعرفون سوبر مان
اجابوا بحماس في صوت واحد
:- نعم
:- هل سوبر مان شخصية جيدة؟
اجاب الولد الاكبر
:- نعم .. انه يقضي علي الاشرار , ويفعل اشياء عظيمة
اكفهر وجهه وهو يزعق
:- غلط
واكمل بعد برهة
:- سوبر مان ليس شخصية جيدة...انه يقوم باعمال خطرة يمكن ان تعرضه الي الهلاك
بدا علي الاولاد عدم الاقناع..زاد حنقه وزعق فيهم ان ينصرفوا الي غرفتهم, وقد ازداد همه وتضاعف قلقه.
اصبح يختلق الحجج لابعادهم عن البلكونة..وشعر الاولاد بان الحصار علي البلكونة يشتد . ارادوا الاحتجاج علي ذلك..
قال الولد الاكبر
:-اننا نتسلي برؤية الشارع. ونكلم اصحابنا من الجيران
رد مزمجرا
:- تستطيع دعوتهم الي البيت فذلك اكثر امانا..انني اخاف عليكم
ولكن شيئا لم يتغير..فالاولاد يتسللون الي البلكونة, وهو يراقبهم بتوجس , واحلام اليقظة بسقوطهم منها تطارده بلا رحمة..

قال لزوجته بصوت غاضب :
__ لا تلحي علي مرة ثانية ..
..
ذات يوم فاجئ الجميع باصطحابه شخص غريب..وكانت تبدو علي وجهه علامات الارتياح وهو يقوده عبر الصالة, وارتسمت علي وجهه علامات الارتياح وهو يري الرجل يخرج من حقيبته المسامير المعدنية. وخيل اليه في حلم يقظة سريع ان والده ومدرسه ومديره في العمل يبتسمون له ولاول مرة منذ بداية هذه الاحداث, ابتسامة راضية مشجعة.......

قال بلهجة قاطعه , دونما نظر اليهم في المقعد الخلفي :

__ لا ذهاب للبحر بعد الان...

 
Refinance Home
Refinance Home Counter