الموقع الشخصى للقاص المصرى خالد السروجي

Friday, September 22, 2006

سقوط الجدران


سقوط الجدران


يهبط المساء سريعاً فى الشتاء . جال هذا الخاطر برأسه وهو يرى عباءة الليل تفترش الشوارع . كانت الساعة لم تتعد السادسة ، إلا بدقائق قليلة . يوم طويل من العمل المضنى قد اعتاده ، ففى الحياة لابد أن تتعب لكى تأكل لقمة نظيفة ، وتطعم أيضاً الأفواه التى تنتظرك . رفع " جاكت " البدلة المهترئ الذى يضعه فوق القفطان ، ليغطى له رأسه من قطرات المطر . ومن بعيد لاحت أضواء خافته من العشش المتراصة والتى كثيراً خيل إليه أنه لا يمنعها من التداعى سوى التصاقها ، واستناد إحداها على الأخرى. وعندما يقترب أكثر تلوح له عشته فيميزها بوضوح . ينتبه إلى أنه جائع ويرتسم فى مخيلته طبق الفول الساخن الذى تعده المرأة ، فيكاد يشم رائحته . يتضاعف إحساسه بالجوع ، فتتسع خطواته ويتسارع إيقاعها . سيدخل متجهماً كالعادة ، وترد المرأة على التحية بلا حماس .
- العشاء يا " ولية "
فى صمت تعد المرأة العشاء ، طبق الفول الساخن ، والجبنة "القريش" . لا يتكلم معه أحد حتى ينتهى العشاء ، وإلا ناله من الضرب والشتم ما هو فى غنى عنه . الجميع يعلم أنه بعد العشاء ، يهدأ ويصفو ، خاصة بعد أن يأخذ " الكيف " . وعندما حاولت المرأة يوماً أن تقول أن " العيال " أحق بفلوس الكيف . نالت علقة لم تنلها فى حياتها ، ولم يخلصها سوى الجيران فى العش الملاصقة . يومها قال وهو لا يزال ممسكاً بها والجيران يحاولون تخليصها :
- حرمت من كل متع الحياة ولم تعد لى بهجة سوى " هذا "، وبنت الكلب تريد أن تحرمنى منها .
وفى الأيام التى لم يستطع فيها الحصول على الكيف ، كان يتحول إلى وحش شرس ، يضرب لأتفه الأسباب ، ساعتها قالت لنفسها سأشترى له الكيف بنفسى ، حتى ولو يأكل " العيال " .
- الشاى يا " ولية "
فى صمت تشعل الموقد بينما هو يلف سيجارة حتى يعتدل مزاجه بعد يوم من العمل المضنى ، والإهانات التى يبتلعها من أجل لقمة العيش من أول النهار لآخره ، ثم ينساها مع أنفاس الكيف ، ليستطيع أن يتحمل من جديد . يرتشف الشاى مع الأنفاس ، وقد بدأت نفسه تصفو ، ويلاحظ " العيال " وقد بدأ النوم يغزو عيونهم ، فتترنح نظراتهم كأنها سكرى . تنام " سامية " و " سكينة " على الكنبة المواجهة للسرير ، بينما ينام " محمد " الرضيع على حرف السرير الملاصق للحائط . تبدأ البهجة تغزو نفسه فيحاول مداعبة الرضيع ، ولكن "محمد" الصغير لا يستجيب وقد أحكم النوم سيطرته على وعيه ، فيتركه وينتبه إلى الحوار الدائر فى العشة المجاورة . هم جميعاً فى العشش الملاصقة ، يسمعون ما يدور عند بعضهم ، فلا يوجد سر ، لم يعودوا يتحرجون وهم يعملون أن آذان الآخرين تعيش معهم . المرأة فى العشة المجاورة للسرير دائماً تثير الشجار ، ولكنه يعلم ما الذى يجعلها تهدأ . تقول امرأته وهى تتابع الشجار الدائر بأذن مدربة :
- هى هكذا كل يوم .
ثم تصعد بجانبه على السرير وهى تمسك بجلاليب البنات القديمة ، تجتهد فى ترقيعها بينما هو يقترب من إنهاء سيجارته الملفوفة الثانية . فكرت فى أن تبدأ معه حديثاً ولكنها تراجعت وآثرت الصمت. وعندما لاحظا الصمت فى العشة الملاصقة للسرير ، تبادلا النظرات ، ثم أصغيا السمع . بعد فترة قصيرة اخترقت مسامعهما ضحكات ماجنة ، فتبادلا النظرات وغرقا فى الضحك . قال لها وهو لا يزال غارقاً فى الضحك ، وقد أصبح مزاجه أكثر إشراقاً :
- إما هذا وإما لا تكف عن الشجار .
وواصل الإصغاء إلى التأوهات والفحيح ، والضحكات الماجنة، وهو يجتهد فى إرهاف السمع ، حتى شعر بأنه بجانبهما على الفراش . ثم ببطء بدأ شىء فى داخله يتحرك ، فخرج صوته متهدجاً :
- " أم محمد "
فهمت المرأة صوته ، فقالت بصوت خفيض :
- اعقل يا رجل . " العيال " لم يناموا تماماً .
لم يأبه بكلامها ، وجذبها بعنف ، ثم طوقها بذراعيه ، بينما هى تحاول التملص . أحكم ذراعيه حول جسدها والتصق بها ، فقالت وهى تحاول إبعاده :
- فلنطفئ النور أولاً .
عندما أطفأت النور لم تكن العشة معتمة تماماً ، فقد كان الضوء يخترقها . خلعت ملابسها بسرعة ، وفعل هو مثلها . كان بصرها يجول فى العشة ، بينما هو جاثم فوقها . تريد أن ينتهى سريعاً . متعبة ولكن لا بأس من الانتظار .
عاد بصرها يجول فى أرجاء العشة ثم توقف بصرها عند الكنبة المواجهة للسرير ، على أربعة عيون تلمع فى الظلامس

أقاصــيص / الــورد


الورد
فى بلكونتى الواسعة أضع أصص الزهور والنباتات التى أعشقها .. فهناك الورد البلدى والقرنفل والخبيزة الأفرنجى والريحان وصبارة … ولا أدرى لماذا اشتريت هذه الصبارة لأعاملها بمثل هذا الجفاء وقلة الاهتمام ، فهى فى وسط هذه الزهور تبدو دميمة للغاية .
وأختلف دائما مع زوجتى بسب هذه الزهور ، فهى ترى أننى أهتم بهذه الزهور أكثر من أهتمامى بها شخصياً .
زوجتى ليست فاتنة ، ولكنها طيبة للغاية ، وتطعينى دائماً وتحرص على أرضائى .. ورغم ذلك فأننى ليست مقبلا عليها ، وكثيرا ما أستشعر الفتور تجاهلها .. ألوم نفسى كثيراً بسبب ذلك ولكن ما حيلتى وأنا لا أعشق سوى الفاتنات 0000 زوجتى لا تهتم بزهورى وتشعر بالغيرة منها 00 وعند دخولى إلى البلكونة صباحا ومساء لأطمئن على ورودى أتوقع دائما التلميحات اللائمة التى تعبر عن الشكوى من أهتمامى بورودى أكثر من أهتمامى بها .
وفى ذلك الشتاء القارص البرودة ، عندما أصابتنى نزلة شعبية حادة منعتنى من الخروج إلى البلكونة لأطمئن على ورودى 0 كنت أستمع إلى ندف الثلج التى ظلت تتساقط طوال الليل وهى تطرق على النافذة ، ليصيبنى القلق على الورد من " النوه " الشديدة 000
وعندما تم لى الشفاء ، كان أول شئ أفعله هو زيارة البلكونة 000 كانت ورودى كلها ميتة من أثر الثلج والصقيع ، وحدها كانت الصبارة منتصبة 0
تحفى الثمينة

تحفى الصغيرة الجميلة ، أعتز بها وأحرص عليها بشدة ، وأزين بها غرفة الصالون .. أضع تحفى على " الترابيزة " الواطئة قليلا لسوء حظى ، ثم أرتعب بشدة عندما ياتى إلينا ضيوف لديهم أطفال .
جيراننا الذين يقطنون فى الشقة المقابلة كثيراً ما يزورننا . لديهم طفل فى غاية الشقاوة ، وعندما ندخلهم إلى الصالون ، كانت عينى لا تغيب عن مراقبة الطفل ، فتدور معه نظراتى القلقة حيثما يتحرك. ولكنه فى أحدى المرات غافلنى وضرب بيده تحفة صغيرة : تمثال " روميو وجوليت " كانت غالية الثمن . ورغما عنى إنفلتت منى نظرة تعبر عن المقت الشديد ، لاحظها والده بقليل من الارتباك وكثير من الاعتذار ، ولكننى لم أستطع أبدا أن تكون مشاعرى ودية تجاه ذلك العفريت الذى حطم تحفتى الثمينة .
أما هذا الشقى الأخر الذى أستطاع أن يغافلنى ويكسر أغلى تحفى : تمثال " بوذا " الرائع ، درة تحف الصالون . غافلنى هذا الشقى وكسره ، ثم توقعاً منه لرد فعلى ، أندفع نحوى ليحتضننى وكأنه يحتمى بى ، فأجد نفسى مضطرا لأن أهش فى وجهه كى أهدئ من روعه ، ثم أحتضنه ناسيا كل تحف العالم وهو يردد :-
" بــابا 000 000 بــابا "





الحنان السرى

لا أعرف منذ متى بالضبط بدأت أراقبها . ولكنها سنوات طويلة لم أمل فيها مراقبتها . شباكها فى المنزل المقابل القريب جداً لضيق شارعنا ، يهبط قليلاً عن مستوى شباك غرفتى ، بشكل يجعلها مكشوفة بكاملها أمام عينى لحد الإحساس بالمعايشة لشدة القرب ووضوح الرؤية .سنوات طويلة مضت منذ غادرت شقيقاتها البنات المنزل الواحدة أثر الأخرى ، وغادر الأب الحياة بعد فترة قصيرة من مغادرة آخر بنت .فى المساء تغلق باب غرفتها بالمفتاح ثم تفتح إحدى ضلف دولابها المغلق أيضاً بالمفتاح . تتحاشى بإصرار غريب النظر فى المرآة . وتبدأ نشاطها اليومى ، أولاً بإفراغ محتويات الكيس البلاستيكى الكبير ، ثم بفتح العلبة المعدنية الصدأة ، وتبدأ عملها وقد اكتسى وجهها بحنان غريب : ملابس صغيرة جداً ، تنهمك فى تطريزها .ابتسم دائماً وأنا أستمع إلى طرقات أمها العنيفة على باب غرفتها ، ثم أتوقع سلوكها المزمن فى هذه الحالة : الارتباك . واحمرار الوجه 0 ثم الإسراع بإعادة المحتويات إلى الكيس والعلبة ، ووضعها بعجلة فى الدولاب وغلقه بالمفتاح . ثم فتح الباب والشكوى المتكررة من ثقل السمع . ثم أراقبها بذات الابتسامة عندما تغلق الباب بالمفتاح ثانية ، وأتوقع ما سيحدث : فتح ضلفة الدولاب المغلقة ، وإخراج الكيس ثم العلبة ، وتحول ملامح الوجه إلى الحنان السرى .سنوات أراقب بشغف هذا السيناريو الذى قد يبدو أحياناً مملاً . يوم واحد فقط كان مختلفاً فى حياتها وحياة المنزل ، الذى أضيئت فيه أنوار الغرف كلها تقريباً . وكان وجهها مضحكاً للغاية تحت تأثير كم المساحيق المبالغ فيه ، والذى جعلها أقرب ما تكون لـ " بلياتشو " . وجاء ضيوف لم يلبثوا أكثر من دقائق ، ثم انشغلت عن مراقبتها بهموم أخرى .ولكننى عندما عاودت مراقبتها ، كانت تتأكد من أن باب الغرفة محكم الغلق .بنت الجيـرانجميلة بنت الجيران الجدد . جميلة وميتة . على وجهها تعبير واحد لا يتغير يجعلها تبدو كتمثال شمعى أو جثة امرأة محنطة . ومغرورة جداً ، لا تبدى أى اهتمام لمحاولاتى للفت نظرها ، ربما كنت سأنصرف عنها ولكن تجاهلها أثار فى نفسى جذوة التحدى والتصميم … عندما استيقظ من قيلولة الظهر أجدها دائما جالسة فى البلكونة ، لا أراها غير هذا التوقيت . جالسة على مقعدها الأثير مصوبة ناحيتى " بروفيلها " الرائع ومصرة أبداً على تجاهلى ، رغم تحركاتى الكثيرة والمبالغ فيها فى البلكونة لكى تلتفت … وأعترف أيضاً بأننى لا فضل لى فى الابتسامة التى فزت بها ، فقد كان الفضل كله لأختها التى همست فى أذنها طويلاً قبل أن تنتظر فتأتى نحوى بابتسامة جعلتنى أكاد أقفز منتشياً .جميلة ونابضة بالحيوية ، بنت الجيران الجدد . ذاب الشمع من على وجهها . عندما أستيقظ من قيلولة الظهر ، أجدها فى مكانها الأثير ، فيها كل يوم جديد…هل هو الحب؟! ولكنها مازالت مغرورة .. لا تمنحنى ابتسامتها اليومية إلا برجاء وإلحاح من أختها فتأتى الابتسامة كأنها متفضلة . بروح مغامرة قررت أن أقوم بعمل جرئ . وكانت الفرصة متاحة بخلو بلكونات الجيران وعدم وجود أختها . على الرغم من أن صفيرى سيئ للغاية ، فإنه بلا شك سيطرق سمعها ويحقق الغرض منه وليحدث بعد ذلك ما يحدث .. كثفت شجاعتى لتتجمع فى فمى ولكن الصفير توقف على لسانى فجأة وقد انتبهت إلى أنها تحملق فى قرص الشمس المتوهج من فترة طويلة .
بنت عم حامد

مسكينة ليلى بنت عم حامد ، يأتينى صوتها فى المساء تصرخ من ضرب الوحش حامد. حامد بواب العمارة المقابلة ليس وحشا ، أعنى أنه ضئيل الجسم جداً ،بل ويذكرنى منظره بفأر مذعور دائماً . ولكنه يتوحش فى المساء عندما يضرب ليلى . أستطيع بسهولة أن أستنتج أن زوجة حامد وراء طقوس الليل الوحشية ، التى لا ينافس انتظامه فيها سوى فرض العشاء . أتعاطف مع ليلى دائما وأهش فى وجهها إذا ما ظهرت فى شباك بدرومها الواطئ جداً بحيث يلامس أرض الشارع ، وأحرض أختى على التنازل لها عن بعض ملابسها القديمة نوعاً ، والترفق فى معاملتها . ضئيلة جداً مثل حامد هذه البنت ، تجافيها أمارات الأنوثة ، وتكسو وجهها ذلة ومسكنة تشعرنى بالرثاء .ولكن دهشة غاضبة تتقمصنى عندما تخبرنى أختى بما يدور . عجباً ! أنا أحب ليلى ؟ بل وألقى إليها خطاباً غرامياً أثناء مرورى بحذاء شباكها !! والأكثر من ذلك أن إحداهن قد اطلعت على نص الخطاب . وبالقطع لم أسأل أختى كيف تأتى لها العلم بالأمور ، فأنا أعلم بوجود شبكة معلوماتية تضم بنات الشارع وتسعى إلى تحقيق مبدأ اشتراكية المعلومات بدءاً من الأخبار وانتهاءً بالأسرار .ولكنى عندما راحت الدهشة وتلاشى غضبى الهش . بدأت أستمتع بما ترويه أختى حول هذا الموضوع بل وأحثها على تصيد آخر الأخبار ، وإن كنت قد امتنعت عن أن أهش فى وجه ليلى ، وأتحاشى الوقوف فى البلكونة خشية تأويل الأمر . ولكن أجدنى أشارك فى الحكاية – كمتلقى – باستمتاع وفضول شديدين ، وأختى تواصل تزويدى بآخر الأخبار علاقتى مع ليلى التى غاصت فى الحب بكامل جوارحها كما لاحظت البنات سرحانها الدائم وحالتها الحالمة وهى تردد بعض عبارات الغرام التى أبثها فى خطاباتى ، وشعور الظفر الذى يحتويها حينما تخبر بعضهن بعزمى على أن أتزوجها فور تخرجى من الجامعة رغبة منى فى إنقاذها من براثن عم حامد ودسائس زوجته .مرة واحدة فقط هى التى خالفت فيها الحظر الذى فرضته على نفسى بالوقوف فى البلكونة ، وكانت ليلى فى شباكها الواطئ وقد بدأت رادارات شديدة الحساسية تتقاطر على البلكونات المنتشرة على طول الشارع وكنت على وشك الانسحاب عندما لمحت بطرف عينى البنت ليلى تنظر نحوى وهى ترد على ابتسامات وإيحاءات لأفعال وحركات لم أقم بها أصلاً ، وهو ما جعل الرغبة فى الضحك تتفجر بداخلى ولكن الرغبة قتلت فى داخلى قبل أن تظهر فى تجليها الأخير ، بفعل شعورى بحصار الرادارات شديدة الحساسية و هو ما جعلنى أعجل بانسحابى المحسوب بحيث لا يثير الريبة .ولكن اللعبة وصلت إلى قمة إثارتها ، بحيث تحتم إيقافها بشكل حاسم ، بعد أن أخبرتنى أختى بأن الساعة السادسة بالضبط ، وهو ميعاد أول مقابلة مع البنت ليلى ، وكان محتماً أن تنتهى المسألة بشكل أقرب إلى العلنية ، وهو ما جعلنى أقف فى البلكونة بملابس البيت ابتداءً من الخامسة والنصف …… ومع اقتراب الساعة السادسة بدأت الرادارات تتقاطر على البلكونات ، ثم ظهرت البنت ليلى فى شباكها الواطئ وقد تزينت ولبست أفضل ثيابها وارتسمت على وجهها ابتسامة مرحة ، ثم بدأت ألاحظ ازدياد توترها مع اقتراب السادسة التى ما أن حلت حتى لمحتها تنظر نحوى بقلق شديد ، تحول فى لحظات قليلة إلى تجهم ، ثم نظرات منكسرة تطوف على رادارات البلكونات ، ثم اختفت فجأة من الشباك الواطئ مما جعلنى أزفر بارتياح . كنت أستعد ، بينما الرادارات المنتشرة تستعد هى الأخرى لمغادرة البلكونات عندما لمحتها تعدو فى الشارع كأنها تريد اللحاق بموعد ما ، وكانت سعيدة و منطلقة .ا لبـوحببطء شديد .. كان رأسها المنكس أمامه يرتفع تدريجياً .. لتواجهه بوجهه حزين ، ونظرات منكسرة ، وقلب ينقله الهم والسهر الدفين .. والتردد المضنى بين البوح والكتمان .. تكاد الكلمات أن تنطلق من فمها .. ثم تحتبس تحت وطأة نظراته الصارمة.ماذا تقول ؟!البنت التى كرس عمره من أجلها ضاعت فى غيبته .. السر الرابض فى أحشائها يكبر يوما فيوم ، ويتجه للإعلان عن ذاته .. ولا مفر من الفضيحة .أم تقول أنها أذنبت وقصرت وتستحق " أن يفعل بها ما يشاء .. ولكن عذرها أنها امرأة لم تستطع أن تملأ فراغ غيبته .. لا تلومه ولكن تلتمس عذره .تخترقها نظراته الصارمة الثابتة ، وتغوص فيها ، ملاحقة السر فى طيات صدرها ، فتوقن بقدرته على أن يقرأ السر بداخلها كالعادة .. فلا تجد مناصا من البوح بالمكنون .. ينطق لسانها ببضع كلمات غير مفهومة فتسبقها الدموع ويعجز اللسان . تستغرق بكاء مرير وعندما تنتهى تسمع أثار دموعها ، وتلتقط أنفاسها المتهدجة .. ثم تمتد يدها برفق لتزيل ذرات الغبار المتراكمة على الإطار الزجاجى للصورة .. قبل أن تشرع فى مناجاة طويلة .
الفنـانـة
جميلة ياسمين بنت أختى ، حساسة جداً ، وعقلها يسبق سنينها التسع 0 تعشق الرسم والألوان والعرائس ، ولكنها قليلة الكلام جداً بالنسبة لطفلة ..أحاول دائما أن أستدرجها إلى حديث طويل ، فلا ترد إلا بكلمات قليلة ، وكانها تخشى نفاد ذخيرتها من الكلام . تهرب من الحديث الطويل وتجرى إلى الفرشاه والألوان ترسم وترسم ، وتظهر السعادة على وجهها عندما أقول لها أنها فنانة ..أعشقها هذه البنت ، ولكن يضايقنى جدا أنها لا تقول لى أنها تحبنى ، رغم حبى لها والعرائس الكثيرة التى أغرقها بها .. شقيقها الأصغر أحمد يقول لى دائماً - : " أحبك يا خالى " . ولكنها لا تقول .فى عيد ميلادها الاخير أشتريت لها سبورة سحرية ، عند الرسم عليها بقلم بلاستيكى يظهر الرسم بخطوط فسفورية مضيئة وجميلة ، تمحى بسهولة عند فتح غطاء السبورة ثم أغلقه. بعدما أطفات البنت شموع التورتة ، تلقت قبلاتنا وهدايانا ، ثم أنزوت بعيدا وفى يدها السبورة ، وعندما أقتربت منها وأخذت أتأمل فيما ترسمه ... كانت ترسم قلباً كبيرا ، وبداخله كان أسمى .شوق سأزورها اليوم ..هى أمى ولن يستطيع أن يمنعنى ..من يصدق أننى لم أرها منذ عدة شهور . رغما عنه سأزورها اليوم . ومن ذا الذى يستطيع أن يمنعنى من زيارتها فى العيد ، وهل هناك عيد بدون أمى ؟ سأقول لها كل سنة وأنت طيبة يا أمى .سألقاها ، وأبث لها شوقى ، وأحكى لها عما جرى فى تلك الشهور .سأحدثها كثيرا وأشكو لها متاعبى ، وسأصارحها بأننى أكرهه وأبى أيضاً يكرهه لماذا لا تنتهى صلاة العيد ؟ الصلاة طالت وأنا متعجل . أردد أنشودة العيد الشهيرة ، وذهنى مشغول بها ، أتخيل شكل اللقاء فتغيب عنى معنى الكلمات التى أرددها .تنتهى صلاة العيد أخيرا ، فلا أنتظر لسماع الخطبة ، وأسعى إليها .. ستكون موجودة بالقطع .. أشعر بأننى فى سعى أكاد أعدو لأصل إليها ..لكن الخاطر اللعين يجعل سيرى ببطيء رغما عن : سأجده هناك هذا الذى لا أطيقه ، ولكنى أعود إلى عدوى وأنا أحدث نفسى : لن أهتم به ، ولن يستطيع منعى من مقابلتها.. وها أنا أقترب من مكانها ، فتأخذنى رجفة ..ولا تستطيع قدماى أن تحملانى ، فأجثو على قدمى ، وأبكى بجانب قبرها ..الهدف أسير فى الشارع المزدحم ، فأخطو خطوة ثم أقف هنيهة لأتفادى أصطدمى بأحد المارة.. ثم أعاود السير بشكل عشوائى فى إتجاهات متضادة ، وبسير متعرج وفقاً للمساحات الخالية التى تظهر بين الزحام ، بينما المارة يتوقفون كثيرا مثلى لتفادى الاصطدام بشخص ما.ولكننى فوجئت بالمارة أمامى وكأنهم يفسحون الطريق لشخص ما قادم ، ثم مر من جانبى هذا الشخص بسرعة كبيرة بدت غير متناسبة مع هذا الزحام . كان نظره وكأنه مثبت على نقطة ما أمامه ، لا يحيد عنها ، ولم يكن يلتفت فى أى أتجاه وكأنه لا يخشى الاصطدام بأحد ، وبدا وكأن المارة هم الذين يخشون الاصطدام به ..كان يسير بسرعته هذه فى خط مستقيم ، بينما الزحام ينفرج من حوله بشكل مستمر ليمرق من خلاله وكان نظره لا يزال مثبتاً على نقطة ما ..تقـزم لا أدرى لماذا كنا جميعاً نرهبه فهو لم يؤذ أحد منا، بالإضافة إلى كونه صديقنا .عندما كان " عباس " يطل علينا بجلبابه الطويل كنا نتوقع دائما حديثا عن الحلال والحرام والعذاب ، كانت اجسادنا تقشعر مما يذكره عن عذاب القبر والنار ، ويزيد من تلك القشعريرة صرامة تعبيراته وقوة صوته ..الأغرب من ذلك أن ما كنا نستشعره من خوف فى حضوره ، كان يعيد إلى نفوسنا ما كنا نستشعره من رهبة تجاه الأباء فى الصغر ، والمدرسين فى مدرستنا . كنا نخاف أن نخطئ أمامه بشىء قد يكون حراما أو يستوجب العذاب ، ونتصرف جميعاً بحذر كما لو كنا نخشى أن ينتقدنا " عباس " الذى كان يشارك فى جميع مناقشاتنا ، ويصوبها من وجهة نظره ، فهذا الموقف حلال ، وهذا حرام ، وهذا الرأى يستنزل لعنة الله ، وذاك يستوجب الرضا . كان يبدو بيننا عملاقاً ، وكنا لا نجرؤ على مناقشة احكامه ، وإذا حاول أحدنا المناقشة ، كانت نظره من عينيه فيها اتهام بالضلال والزيغ كفيلة بإنهاء أى نقاش . وبالأمس عندما طرح صديقنا " نور " قضية الحداثة فى الأدب والفن ، فقد استعل النقاش بيننا ، وأخذ كل منا يدلى بوجهة نظره ، ونحن نستعرض المذاهب الحديثة فى الفن والنقد ، وكان " عباس " صامتاً طوال الجلسة ، منكمشاً فى كرسيه ونظراته زائغة ، وهم أن ينطق بشىء ، ولكنه تراجع . بدا لى مع سخونة الحوار بأنه ينكمش شيئاً فشيئاً ، حتى ظننت أن سيتكور على نفسه

تحـدى

لأول مرة ظننت أنه مجذوب 0
لحيته الطويلة ، ووجهه المرهق المصفر ، والنظرات الذاهلة فى عينيه ، وجلبابه المتسخ 0
يحمل فى يد عصا مثبت فى أخرها قطعة قماش بألوان العلم 0 ولكن شكى تبدد بعدما علمت أنه والد التلميذ بالمدرسة المجاورة لمنزلى والذى دهسته مؤخراً شاحنة البضائع المملوكة لأحدى التجار الذين لمعوا فى حقبة السبعينات 0
بدأ يظهر فى الشارع أمام المدرسة بعد يومين من الحادث 0 ياتى مبكرا ويساعد الأطفال فى عبور الشارع الخطر أمام المدرسة ، ثم يجلس على الرصيف منتظراً أنتهاء موعد الدراسة ليساعدهم فى عبور الشارع إلى الرصيف المقابل 0
يقف فى منتصف الشارع بجرأة ، شاهراً العلم فى وجه السيارات ليجبرها على الوقوف ، ثم يعبر بالأولاد فوجاً بعد فوج ، وبعدها يذهب إلى حيث لا يدرى أحد أين يسكن ، ليعود مبكراً فى اليوم التالى فى موعد المدرسة 0
أراقبه وبعض من علم بقصته يدس فى يده بعض النقود ، فيقبلها بلا غضب وأيضاً بلا أمتنان ، ثم الحظه وهو يدسها بسعادة فى جيوب الأولاد 0
لا يكل من المجيء كل يوم ، حتى فى الطقس القارص والمطر ، ولا يأبه بوقفته المتحدية لطريق السيارات ، شاهرا فى وجهها العلم ليجبرها على الوقوف ، بينما يكتسى وجهه بالتحدى السافر والصرامه 0
عندما خرجت إلى الشرفة ذات يوم على صرخات الأولاد ، كان ملقى فى وسط الشارع بعدما أطاحت به إحدى السيارات ، وكان الأولاد متحلقين حوله يبكون .

أغانى نور

كان الكبار يقولون عن " نور " أنه مجنون ، وأنه من الخطر علينا مصاحبته فقد يضرب أحدنا أو يعضه 00 ولكننا نحن الأطفال كنا نحبه ، ولم نكن نصدق أنه مجنون ، على الرغم من كلام الكثير الذى لا نفهمه أحيانأ 00 لذلك لم تفلح محاولاتهم المستميتة سواء بالحيلة أو بالقوة فى صرفنا عن " نور " 0 كنا نغافلهم ونذهب لكى نلتقى به بعيداً عن أعينهم .
كان يروى لنا حكايات غير الذى نتعلمها فى المدرسة ويعلمنا الأغانى التى لا نفهم بعض معانيها ، والتى على الرغم من ذلك أحببنها كثيراً 000 وفى كل مرة نجتمع فيه مع " نور " يحكى لنا ويغنى ونغنى معه ، كنا نلاحظ أن عيوناً تراقبنا من أماكن شتى ، وعندما يهبط الظلام كانت العيون تلمع ببريق مخيف ، ولكن وجوده معنا كان يبعث فينا الطمأنينة .
كانت الأيام تمضى معه رخوة هنية ، إلى أن جاء يوم لم نحزن فى طفولتنا مثلما حزنا فيه 000000
أختفى " نور " فجأة
انطلقنا نبحث عنه فى كل مكان نعرفه ، وسالنا عنه كل الناس ، فلم نصادف من الجميع سوى الصمت والنظرات المحذرة 000
كانت الصدمة قاسية علينا كأطفال ، فأعتكف كل منا فى منزله لا يبرحه 00 فلا تجمع ولا لعب ولا ضحك ، فقد انقطعت الحكايات وسكت صوت الأغانى 0
وأخيراً إستطعنا تجاوز الأزمة 000 أصبحنا نجتمع فى نفس المكان بعد غيابه ، ونتداول حكايته التى كان يرويها ، ونغنى الأغانى التى كنا نسمعها منه 0
كانت الايام تمر ، ونحن نكبر 00 وشيئاً فشيئاً بدأنا نفهم الكلمات والأغنيات التى لم نكن نفهمها00 ثم لم تلبث أن عادت تلك العيون ذات البريق المخيف تطل علينا من جديد 00

أغتيال

أختارته لكى تولد منه 000000
ليس فى الدنيا أرق إحساساً منه . فى أعماقه يكمن فنان ، فى قلبه يقبع قديس. لذلك أختارته لكى تولد منه 00
عندما جاءت ساعة المخاض ، خرجت نوراً 00 تجسدت أمام عينية كأروع ما تكون امرأة 00 جسدها البلورى الصافى يرى من خلاله العالم .
كان يعزف لها على قيثارته ، وكانت تغنى بصوت حزين 00
عندما قتل أبوه ذات يوم ، أتاه أخوته 00
قالوا : ننتقم 0
قال : لا 0
قالوا : أتترك دم أبيك ؟ أتترك قاتله الشرير ؟
قال : الشر لا يمحى بالشر
قالوا : أتجبن ؟ أتضعف . أتكون كامرأة ؟
ملئوا قلبه حقداً . ضعف . رضخ 0
فى المساء ، أختاره لكى يولد منه 0000
أسود كالليل بلا قمرا ولا نجمات 0 تجسد رجلا فى يده الخنجر يلمع فى وهج المصباح 00 أمتدت يده لتطعنها ، ثم تلاشى وذاب فى الليل المنتشر 00
هاله تغيرها : الجسد البلورى أستحال أديما 00 لم يعد يرى من خلاله الأشياء 0
جزع 0 سألها : ماذا أصابك ؟ 000 الصمت يدوى ، ما ياتى جواب 0
نظرت باللوم توجهه إلى عينيه 00 قرأ بعينيها صرخة 00 دوت صرخاته المجنونة : - كلا 000 لست القاتل 0
كانت تذوب 00 وتتلاشى 00 رويدا 00 روايدا 0
شطرنج
رفع عينيه من فوق الرقعة ، ثم قال محذراً :
- أنتبه هذا العسكرى سوف يأكل وزيرك
( أعادنى إلى ما كنت أود أن أنساه )


كان الطرق على الباب عنيفاً وكان الوقت ليلا 00 استيقظت على الضجيج 00 استطعت بأذناى المنتبهتين وعيناى النصف مفتوحتين ، أن أتابع ما يجرى :
كان العسكرى يسأل عن أخى ، أنقبضت لرؤيته 000 أنكرت أمى وجود أخى النائم إلى جوارى ، وحاول أبى منع العسكرى من الدخول 00 كان العسكرى فظاً قاسياً 00 دفع أبى وأمى حتى كادا أن يسقطا على الأرض ثم أندفع إلى حجرتنا كثور هائج ، وأنتزع اخى النائم إلى جوارى بقسوة 000
فى عين أخى كانت نظرة ساخرة مستهينة ، وكانت أمى تبكى ، وأبى يتمتم بدعاء على الظالمين.


قال بلهجة الواثق :- " أن دفاعك سينهار حتماً أمام الضغوط 00 الأفضل أن تستسلم "
( أبيت الاستسلام )

مضت شهور ولم يعد أخى 00 وأمى لا تتوقف عن البكاء الأ لتعود إليه ، وأبى دائم الشرود ، وأنا أفتقده وأبكى لغيابه بكاءه أم ثكلى 0
فى يوم استدعوا أبى 000
قالوا :- " فليعترف على زملائه ، وسيعود معك للبيت "
قال :- " أبنى لا يفعل ذلك "
قالوا :- " سنعذبه حتى يعترف "
قال :-" ليحفظه الله خير الحافظين "


قال بثقة :- " كش ملك " 000 ثم أردف قائلا :- ألم أنصحك بالاستسلام 0 لقد مات "
( أنطلق يضحك منتشيا بالنصر )

لم أصدق أنه مات ، حتى بعدما أحضروا لنا الجثة 0 لم تقو أمى على ذلك ، فسقطت مغشياً عليها 0 وأبى المكلوم ، لم يفرغ لسانه من الدعاء 0
على القبر الى زعموا أنه لأخى ، زرعت نباتاً 00 تعهدته بالسقاية كل يوم ، وكنت سعيدا عندما رايته ينمو 0

مازال صاحبى مزهوا بالنصر الذى حققه ، وأنا أحملق فى الرقعة غير مصدق 0
فجأة صحت فيه : - " ( لا 00 أنه لم يمت 00 مازال هناك مخرج ) "

نداء الجنة

نداء الجنة


وقف الصغير ذاهلا أمام السرير . كان بتأمل بفزع وجه أمه الجامد المزرق وعينيها المغمضتين . وامتدت يده الصغيرة المرتعشة تهزها:
- أمي . أمي .
ولكنها لم تتحرك ولم تفتح عيناها . وعندما أستولي عليه اليأس، أنطلق من صدره بكاء حار ، جاء على إثره عويل النسوة اللاتي يرتدين السواد . وجاء والده مسرعاً وأنتزعه من فوق السرير ، خرج به من الغرفة ، بينما الصغير يقاومه محاولاً الإفلات منه .
قال الصغير – وهو يضرب والده بقبضتيه الصغيرتين :
- أريد أمي . أريد أمي
قال والده وهو يحاول السيطرة على بكائه :
- أمك ماتت
لم يكن الصغير يعرف بالضبط معنى كلمة ماتت ، ولكنه كان يدرك أنها كلمة سيئة كالمرض .
عندما حملوا جسد أمه ليضعوه فى النعش بكى بمرارة ، وحاول أن يفلت من قبضة والده لينقذ أمه من الأيدى التى تحملها ، وصرخ فيهم :
- إلى أين تأخذون أمي ؟
وفى المساء ، كان الصغير يبكى وهو يسأل والده المنهك:
- أين ذهبوا بأمي ؟
أجابه بصوت متهدج :
- أمك عند الله فى السماء
- وهو الذى أخذها ؟
- نعم
يعرف الصغير الله ككبير يعيش فى السماء ، وقادر دائماً على معاقبة من لا يسمع الكلام ، أو يضرب أحداً ، أو يوذى القطط . ولكنه على الرغم من ذلك قال لوالده :
- ولماذا أخذها هى ؟ !
نظر إليه والده بمزيج من اللوم والإشفاق .
قال الصغير بعناد :
- ولماذا لم يأخذ أم أحد آخر ؟
أطرق الصغير قليلاً ، ثم عاد يسأل بصوت مرتعش :
- هل سيعاقب الله أمي ؟
الصغير أستقر على ساقي والده الذي رفعه وأحتضنه وقبله بحنو شديد :
- الله يحب أمك . لقد أعطاها قصر في الجنة .
اتسعت عين الصغير من الدهشة ، فأكمل والده :
- في الجنة حدائق وفواكه كثيرة ، وأمك تعيش الآن سعيدة ، فالله يحبها ويعطيها أشياء كثيرة .
الصغير أطرق يفكر ، وتخيل أمه تقف أمام الله ، وأن الله ينظر إليها بحب ويضحك لها ، وأنها تقف أمام الله وهى غير خائفة من حجمه الكبير جداً . ثم تخيل يد الله الكبيرة جداً تمسك بأمه التي مثل عقلة الإصبع وتضعها في قصر جميل مثل الذي شاهدة في التليفزيون ، وتخيل أمه وهى تمشى بين أشجار القصر وتقطف التفاح والمانجو من الشجر . وشعر الصغير بموجة عار مه من الحب تجاه الله ، وتبدلت مشاعره السابقة ، فها هو الله لا يعاقب أمه ويعطيها قصراً فيه فاكهه من كل نوع . ولكنه عاد يشعر بالقلق إزاء غياب أمه .
سأل الصغير والده بقلق :
- متى ستعود أمي ؟
- أمك الآن في الجنة
قال الصغير بنفاد صبر :
- أعرف . ولكن متى ستعود ؟
الذين يذهبون إلى الجنة يعيشون فيها ولا يعودون .
تجهم وجه الصغير الذي كان يعتقد أن أمه ستقضى عدة أيام في الجنة ثم تعود ثانية ، وأطرق يفكر .
قال الصغير لوالده :
- إذن خذنى إليها في الجنة
- من يموت فقط يذهب إلى الجنة
قال الصغير بإصرار :
- إذن اجعلني أموت وأذهب إليها .
لم ينم الصغير هذه الليلة . وعندما تأكد من نوم والده تسلل إلى البلكونه ، وأخذ يبحث بنظره في السماء عن الجنة . كانت السماء خالية أمامه إلا من النجوم . أخذ يدقق النظر لعل الجنة تكون خلف هذه النجوم . ظل الصغير يحدق في السماء ويفرك بيده في عينيه من وقت لآخر . وفجأة بدأت الجنة تظهر أمام عينيه . في البداية ظهرت الأشجار ، ثم شيئاً فشيئاً ظهر القصر الجميل ، ثم بعد ذلك رأى أمه تمشى بين الأشجار فنادى عليها . ورأى أمه تنظر إلى أسفل ثم تراه وتناديه ، ثم غلبه النعاس وهو مستند بظهره إلى حائط البلكونة .
بعد عدة أيام – وكان يوم خميس – أستيقظ الصغير من نومه ليجد عمته وقد ارتدت ملابس الخروج السوداء .
سأل الصغير عمته :
- إلى أين تذهبين يا عمتي ؟
قالت العمة وهى تربت على كتفه :
- سأزور أمك
اجتاحت الصغير سعادة غامرة ، فعمته ستذهب إلى الجنة – دون أن تموت – وسترى أمه .
تشبث الصغير بعمته وهو يقول لها :
- سأذهب معك إلى الجنة لأرى أمي .
شعرت العمة بالندم لأنها أخبرت الصغير بأمر زيارة أمه ، وفكرت في طريقة للتخلص من هذا المأزق الذي نتج عن انفلات لسانها.
قال العمة للصغير :
- لا يسمحون في الجنة بدخول الأطفال . عندما تكبر سآخذك معي
الصغير تشبث بملابس العمة ، وقال بإصرار :
42
41- بل سأذهب معك إلى الجنة لأرى أمي
شعرت العمة بصعوبة التخلص من هذه الورطة فقالت للصغير:
- أستأذن أباك . إذا وافق سآخذك .
أنطلق الصغير إلى والده فرحاً :
- أبى سأذهب مع عمتي إلى الجنة لأرى أمي .
ارتسمت على وجه الأب دهشة ممزوجة بالغضب ، ثم أنطلق خارجاً من الغرفة .
قال الأب للعمة بغضب :
- هل جننت لتخبريه بذلك !!
قالت العمة أسفه :
- أنفلت لساني رغماً عنى .
أطرق الأب مفكراً ، ثم قال للعمة بلهجة حادة :
- من المستحيل الآن إقناعه بعدم الذهاب . الأمر لله . ولكن لابد أن أجئ معكم ليكون تحت رعايتي فلست أطمئن عليه بدون وجودي .
العمة ساعدت الصغير في ارتداء ملابسه . وبعد قليل مرت سيارة تحمل خالات الصغير الذاهبات لزيارة المتوفاة . كان الصغير سعيداً وهو في الطريق إلى أمه ، وأخذ يعد في رأسه الكلمات التي سيقولها لها عندما يراها . وقرر أن يطلب من الله أن يعيد معه أمه إلى البيت . الصغير كان متأكداً من الله أصبح يحبه وسيسمح بعودة أمه إلى البيت من أجل خاطره ، لأنه منذ أن ذهبت أمه إلى الجنة لم يضرب أحداً ، ولم يؤذى القطط . وأخذ الصغير يستجمع شجاعته لمقابلة الله ، لأن الله كبير جداً وسيكون هو أصغر من عقلة الإصبع أمامه . وكان الصغير يفكر أيضاً في أن يقطف بعض التفاح من شجر الجنة ويعود به إلى البيت مع أمه . كان الصغير يفكر في هذه الأشياء ، بينما تلوح في الأفق مساحة ترابية كبيرة تتناثر فوقها الصناديق الرخامية المستطيلة ونباتات الصبار
.

Monday, September 04, 2006

الفتى الأبيض

لم يكن حلمه بالبالطو الأبيض ، وهوى زميلة الطب ذات البشرة الحليبية ، وقطته السيامية البيضاء مجرد مصادفات فى حياته ، فالأشياء البيضاء دائماً ما كانت تخطف بصره وتأسر قلبه بقدر ما ينقبض من اللون الأسود . وخرج لأول مرة فى حياته فى مظاهرة ليهتف بحماس ضد كل الأشياء السوداء ، ولم يكن يشعر – لفرط حماسه – ببرودة يناير القارصة . وأثناء المظاهرة كانت تلتقى نظراته مع نظرات رفاقه فى الجامعة ، فتعبر العيون عن الفرحة بما يصنعونه . ولكن الجنود أحاطوا بهم ، وأوسعوهم ضرباً بالعصا المكهربة . واستطاعوا الإمساك به مع بعض رفاقه ، واقتادوهم إلى مبنىً بارد ، ثم أدخلوهم إلى ضابط شاب أكسبته البدلة الرسمية السوداء هيبة وجلالاً .
قال لهم الضابط حانقاً :
- تهيجون الناس يا أبناء الزوانى .
أوجعه أن تهان أمه بهذا اللفظ . فتح فمه ليرد ، ولكن صفعة اعتقلت رده فى لسانه . احمر وجهه غيظاً وقهراً .
علا صوت الضابط :
- إن لم يعجبك الكلام ، نستطيع أن نزنى بأمك هنا أمامك .
وأشار الضابط لرجاله ، فأمسكوه وجعلوا رأسه إلى الأرض ، وضربوه بعصاً رفيعة ملفوفة على أقدامه المرفوعة لأعلى . حاول أن يتحداهم بتحمل الألم وعدم الصراخ . قال له الضابط ساخراً :
- تظن نفسك رجلاً ؟!! .
ثم أردف مخاطباً جنوده :
أعيدوا إليهم عقولهم داخل الرؤوس .
اقتادهم الجنود إلى غرفة باردة وكئيبة ، وتباروا فى إيلامهم وإهانتهم . ورسم له أحد الجنود دشاً على الحائط وأجبره على خلع ملابسه والاستحمام تحته وسط ضحكات باقى الجنود . لم يقو على الاحتجاج . كان يبتلع الإهانات ، فيشعر بمرارتها فى حلقه ، وهو الذى لم يعتد الإهانات طيلة عمره القصير . وكان يضنيه التساؤل : ما الذى يبرر إهانة أى إنسان ؟!! . حاول أن يتذكر أشياءه البيضاء ، فجاءت صورها باهتة مهتزة .
كان رقيقاً وضعيفاً ولم يستطع تحمل نوبات الضرب المبرح ، فأغمى عليه عدة مرات . عندما أفاق من الإغماءة الأخيرة ، نظر بتلقائية – من خلال الضوء الضعيف بالغرفة – إلى ساعة يده فوجدها تشير إلى الثالثة . اندهش لأنه كان قد نظر فى ساعته قبل أن يقبضوا عليه بحوالى الساعة ، وكانت الثانية ظهراً . والآن قد حل المساء .
عند الفجر ألقوا عليه ماءً باردًا ، فاستيقظ مذعوراً . وأخبره أحد الجنود بأنه قد أصبح ديكاً وأن عليه أن يؤذن مثل الديكة حتى يوقظ رفاقه ، وجعلوه يؤذن كالديكة حتى استيقظ رفاقه .
عندما أفرجوا عنه ، كان قد أحس بشرخ فى روحه ، شعر بأنه لن يلتئم أبداً . كانت روحه ممتهنة ، ولم يكن قد جرب من قبل القهر والامتهان . نظر إلى الناس فى الشوارع ، فأحس بأنهم مجرد آلات تتحرك . بدت له الشوارع كئيبة ومعتمة رغم أضواء المصابيح . حاول أن يتوارى عن الناس حتى لا يروا روحه الممتهنة . حانت منه نظرة إلى ساعة يده . كانت لا تزال تشير إلى الثالثة . لأول وهلة ظن أن الساعة قد أصابها العطب ، ولكنه اندهش عندما رأى عقرب الثوانى يدور بلا انقطاع . وعندما مر بأحد المقاهى ، لاحظ أن الساعة المعلقة على الحائط تشير إلى التاسعة والنصف .
عندما شاهدوه فى البيت بعد هذا الغياب فرحوا ، ولكنه لم يستطع أن يفرح . ولما أفزعهم منظره حاولوا إضحاكه . حاول أن يجاملهم ، ولكنه اكتشف عدم قدرته على الضحك . كان يخشى أن يشاهدوا روحه المشروخة . أغلق عليه باب غرفته ، ولم يرد على الطرقات أو النداءات . كان منكفئاً على شرخ روحه الذى بدأ يتشعب ليصبح عدة شروخ . نظر بيأس إلى ساعة يده وكانت لا تزال تشير إلى الثالثة رغم دوران عقرب الثوانى .
عندما حاول بعد ذلك أن يفتح أحد الكتب ، تراءت له على الصفحات مشاهد امتهانه ، فأغلق الكتاب بعنف ليهرب منها ، ولكنها ظلت تطارده بلا رحمة . حاول أن يتذكر أشياءه البيضاء : البالطو ووجه الحبيبة والقطة السيامية ، ولكن الذاكرة كانت عصية . فقط كانت بدلة الضابط الرسمية السوداء هى التى تلح على مخيلته . نظر بحنق إلى ساعته وقرر يائساً أن يذهب إلى محل الساعاتى .
ناوله الساعاتى ساعته وهو يقول له باسماً :
- الساعة سليمة وليس بها عطب .
وضعها فى يده بصمت ، ومضى ساهماً . كان ينظر إلى مشاهد الحياة فى الشوارع بعدم اكتراث . البيوت لازالت كئيبة ، والناس لا يزالوا مجرد آلات تتحرك .
سأله أحد المارة :
- كم الساعة الآن ؟
أجاب دون أن ينظر إلى ساعته :
- الثالثة تماماً .
نظر إليه السائل فى ذهول ، ثم ابتعد عنه مهرولاً .
لم يحك لأحد عن وجعه . كان يلتف بصمته ، ويحاول أن يتوارى عن العيون حتى لا يلاحظ أحد شروخ روحه التى كانت تتسع وتتشعب بلا نهاية .

في تلك اللحظة

في عزلته , كان المسلوب ممددا علي فراشه, وقد فقد قدرته علي الحركة والنطق. ولم يكن ثمة دليل علي حياته سوي يد تتحرك بصعوبة , وعينان تتحركان بسرعة فائقة في ارجاء الغرفة , ينقبض فيها قلبه عندما تمر العين بالمرآه, فيود لو ان به قوة ليلقي بها خارج الغرفة.. ثم لاتلبث ان تعود الي محطتها الرئيسية : باب الغرفة المغلق.
في صمت , وعلي فترات متباعدة . كان هذا الباب يفتح فيدخل منه الآخر "سالبه" ..يطعمه في صمت , ثم يغادر ايضا بذات الصمت..


* * * * * * * * * *

في تلك اللحظة- قبل ان ينفتح الباب- كان يفكر في الحوادث التي جرت. بالتحديد في " الاستلاب" الذي جري لحياته وشخصه. واخذ يلوم نفسه بشدة , محملا نفسه تلك مسئولية ما حدث. وكانت اصوات الجلبة التي يحدثها الآخر واصحابه بالخارج تزيد من حسرته علي ما آلت اليه الامور..وكان قلبه ينقبض اذا ما وقع علي المرآه التي خرج منها الآخر..
كانت نظراته معلقة بباب الغرفة عندما انفتح . دخل الآخر حاملا صينية عليها وجبة العشاء..ولكنه لاحظ شيئا غير اعتيادي ": كان الآخر يبتسم له . وعندما اقترب منه , جلس علي حافة السرير, ونظر اليه لاول مرة بحنو شديد.
خاطبه قائلا:
- هل هل تشعر الآن بالندم؟
- وفوجئ المسلوب بلسانه ينطق لاول مرة منذ فترة, وقال بلهفة:
- نعم
- فسأله الاخر بحب وحنو:
- اذا تستطيع ان تغير من نفسك الآن؟
- اجاب بلهفة الظمآن:
- نعم ..نعم.
- تعدني بان تتغير؟
- نعم ..نعم اعدك
- ساصدقك..وساعطيك الفرصة
- ابنسم وهو يقول ذلك..ثم صعد علي السرير وتمدد فوق المسلوب : الرأس علي الرأس , والقدم علي القدم. بينما كان المسلوب يشعر بالآخر يغوص فيه ويختفي , ثم شعر في نفسه بالخفة فقام مسرعا وعبر باب الغرفةالي الصالة التي تعج باصدقاء الآخر , وبالموسيقي الصاخبة..بسرعة تعرف عليهم واندمج فيهم , ثم اقترح عليهم الخروج للتنزه في الشوارع فوافقوا جميعا , في غمرة من شعوره بالسعادة...احس بانه لم يستعد نفسه فحسب, ولكنه ايضا تغير..

* * * * * * * * * * * *
في تلك اللحظة- قبل ان ينفتح الباب- كان يفكر في الحوادث التي جرت. بالتحديد في " الاستلاب" الذي جري لحياته وشخصه. واخذ يلوم نفسه بشدة , محملا نفسه تلك مسئولية ما حدث. وكانت اصوات الجلبة التي يحدثها الآخر واصحابه بالخارج تزيد من حسرته علي ما آلت اليه الامور.. وكان قلبه ينقبض اذا ما وقع نظره علي المرآه التي خرج منها الآخر..
كانت نظراته معلقة بباب الغرفة عندما انفتح . دخل الآخر حاملا صينية عليها وجبة العشاء..وكان وجهه صارما كالمعتاد , واشار اليه ان يفتح فمه ليطعمه الحساء بالملعقة, ففتح فمه منصاعا..حاول ان يتكلم , فخرجت من فمه همهمات غير مفهومة..
قال الآخر بتأفف:
- ماذا تريد ؟
- ثم بزفرة اخري فيها مزيد من النأفف :
- لقد اصبحت عبئا ثقيلا علي.
- حاول ان يشيح بيده اعتراضا , ولكن الآخر لاحظ ذلك
- : المفروض ان تكون ممتنا للخدمات التي اقدمها لك ,لا ان تعترض.
- ثم تأفف بصوت عال وهو يقول آمرا:
- افتح فمك ...عنا ننهي هذا الامر .
- فعل الآخر ذلك بسرعة ..انهي مهمته ثم خرج واغلق الباب خلفه . وتركه ونظره معلق بالباب....
-
* * * * * * * * *

في تلك اللحظة- قبل ان ينفتح الباب- كان يفكر في الحوادث التي جرت. بالتحديد في " الاستلاب" الذي جري لحياته وشخصه. واخذ يلوم نفسه بشدة , محملا نفسه تلك مسئولية ما حدث. وكانت اصوات الجلبة التي يحدثها الآخر واصحابه بالخارج تزيد من حسرته علي ما آلت اليه الامور. . وكان قلبه ينقبض اذا ما وقع نظره علي المرآه التي خرج منها الاخر ..كانت نظراته معلقة بباب الغرفة عندما انفتح . دخل الآخر حاملا صينية عليها وجبة العشاء.. كان وجهه هذه المرة غريبا, ولم يعد يشبهه ..كان وجها مشوها ومرعبا كوجه شيطان..حتي اذناه استطالتا, وبدلا من ذراعيه نبتت اجنحة سوداء مخيفة.
كان الاخر ينظر اليه نظرات قاسية مرعبة , جعلته يرتعد ويهتز, وتهتز معه قوائم السرير الذي يرقد فوقه.. وكانت الصينية التي يحملها الآخر خالية من الاطباق, ومكدسة بالسكاكين والاسلحة الحادة, ومسدس..اقتلرب منه بخطوات بطيئة, ولم تفارقه تلك النظرة القاسية المرعبة..جلس علي السرير بعنف , وزعق فيه :
- لتكن النهاية الأن ..فلم اعد احتمل وجودك.
- حاول ان يرد , فخرجت منه الهمهمات المعتادة, ثم حاول ان يشيح بيده معترضا , ولكن الآخر اوقفه بنظرة نارية , وهو يواصل زعيقه:
- عليك ان تختار باي سلاح تموت.
- ثم اردف :
- هناك سكاكين..وحقن سموم . ومسدس..لك حرية الاختيار.
- ثم اتبع ذلك بضحكة شيطانية , تردد صداها طويلا في ارجاء الغرفة:
- نسيت انك لا تنطق...
- كان الرعب قد بلغ منه مداه, واهتزازاته المتشنجة تكاد تدك قوائم السرير, اما همهماته فصارت اقرب للصرخات....
- قال الآخر وهو يضحك:
- ساعرض عليك ما لدي ..اذا اخترت شيئا , فاغمض عينيك طويلا , لاعرف بانك اخترته...
- رفع الآخر السكيناولا, فارتعد ولكنه لم يغمض عينيه ...ثم رأي حقنة السم تقرب الي وجهه , فازداد ارتعاده ولكنه ايضا لم يغمض...ثم راي اخيرا المسدس يشهر , فكاد يغشي عليه, ولكنه في هذه المرة اغمض طويلا...
- قال الاخر وهو يضحك ضحكته الشيطانية :
- سيكون التصويب في الراس مباشرة , حتي لا تتالم كثيرا.

* * * * * * * * * *

في تلك اللحظة- قبل ان ينفتح الباب- كان يفكر في الحوادث التي جرت. بالتحديد في " الاستلاب" الذي جري لحياته وشخصه. واخذ يلوم نفسه بشدة , محملا نفسه تلك مسئولية ما حدث. وكانت اصوات الجلبة التي يحدثها الآخر واصحابه بالخارج تزيد من حسرته علي ما آلت اليه الامور.. وانقبض قلبه عندما وقع نظره علي المرآه التي خرج منها الاخر ..كانت نظراته معلقة بباب الغرفة , منتظرا ان ينفتح في أي وقت ليدخل منه الاخر.

ظل نظره مثبتا علي باب الغرفة طويلا طويلا.. ثم في النهاية أسند راسه الي مخدة السرير ومات , ونظره صوب الباب ........


أستلاب

لم يكن " مودي " يعاني من الخجل و الأنطوائية فحسب و إنما من خوف مبهم يتحول الي رعب عندما يضطرالي مواجهة الآخرين بالأضافة إلي افتقاره للقدرة علي الدفاع عن نفسه حتي ولو كان محقا أو مظلوما .
وفي المدرسة الأبتدائية , كان شديد الخجل و الأنطوائية و يتلعثم دائما عندما يحاول الأجابة عن سؤال وجهته له مدرسته , و التي كانت تشكو دائما لوالدته من شروده الدائم و عدم تركيزه و أبتعاده عن زملائه . وغالبا ما كان الأولاد يستولون علي سندوتشاته دونما أي مقاومة تذكر منه أو شكوي.
وعندما توفيت أمه , ولحقت بأبيه الذي رحل وهو بعد في الثانية من عمره كان " مودي" في أولي سنوات مرحلته الجامعية وقد رفض بإصرار و أستماته أي محاولة من جهة أخوالة أو أعمامة للإقامة لديهم . و أعتصم بشقة الأسرة غارقا في الأنطواء و العزلة بما أستتبع ذلك من مضاعفة مشاعر الوحدة و تداعيتها فمن المشاعر التي لم يتوقع " مودي " أستعادتها من مراحل الطفولة – تحت وطأة الوحدة و العزلة – تلك المشاعر المتعلقة بتحول الأشياء كتخيلة بأن الشجرة المرسومة علي اللوحة الكبيرة و المعلقة علي حائط الصالة تراودها الرغبه في الخروج عن اللوحة و السقوط علي رأسه أو تخيلة بأن المنضده تعاني من الرغبه في أن تتحول الي كائن حي متعدد الأرجل, بل إحساسه بمعاناة هذه المنضدة للحركة علي أرجلها الأربعة .. أو إحساسه بأن الغرفة المظلمة – وكان يكره الظلام – تمتلئ بمخلوقات معادية لا تحمل له أي ود , و كذلك أستجماعه لكل قواه في كل لحظة ليواجه عقبة الأرتطام بعائق لا مرئي و كثيرا ما كان يحاول مغالبة ما تعلق بوعيه من أحاسيس الطفولة بأن الكون ملئ بالأشباح وفي محاولته لمغالبة خوفه هذا كان يطمئن نفسه – بأن الكون واضح و صريح في وضوحه ولا أثر فيه لكائنات لا يعرفها .
كان في بعض الأحيان وهو نائم علي سريره يتناهي الي سمعه وقع أقدام صادرة عن وسادته , بيد أنه الصمت يسود عندما تغادر رأسه الوسادة قليلا ,كان ذلك جزء من عذاب الوحدة .
و ذات يوم بينما كان يرقد – وحيد علي فراشه, شاهد عصا سوداء تتراقص بالقرب من سريره و كأنها تتمايل علي نغمات راقصة ثم تفرغت العصا إلي ما لا نهاية من الشقوق مما أصابه بالرعب.
ولان طبيعته الأنطوائية و خوفه من الأقتراب من الناس قد جعل زملائه ينفرون منه , فلم يكن له أصدقاء
و أقتصر تعامله مع الناس علي ما هو ضروري للغاية و بالتالي لم يكن له أيضا علاقات بالجيران .
أفضل أوقات " مودي " هي التي يقضيها مع نفسه الشطرنج .. أما عندما ينزل إلي الشارع فكان يسيطرعليه الذعر من أن يستوقفه أحد لمحادثته . لذلك كان خطوه في الشارع سريعا , ناظرا إلي الأرض حتي لا تلتقي نظراته مع أحد .
ولكنه بمرور الأيام أصبح يشعر بحنين جارف للتحدث إلي التحدث مع أحد ورغم ذلك لم يجرؤ علي التفكير في أتخاذ صديق أصدقاء , و كانت الفكرة في حد ذاتها تصيبه بالذعر و علي الرغم من كل ذلك كانت هذه الرغبة تناهي بداخله و تتوحش بمرور الوقت دون أن يستطيع تناميها , و بالأضافة إلي شعوره بالعجز حيال ذلك , فإن هذه الرغبة ظلت تعذبه دون أن يجد لها حلا , فلا القراءة ولا ملاعبته لنفسه للشطرنج أستطاعت وقف تنامي و توحش الرغبة .
و لكنه ذات يوم , و أثناء وقوفه أمام المرآه الكبيرة المثبتة بدولابه و المواجهة للسرير أشعر بألفة شديدة تجاه الشخص الذي يراه أمامه و أحس بسعادة طاغية عندما رآه يبادله الأبتسام و أعتبره ذلك مودة منه ودعوة لكي يكونا أصدقاء و قد أستراح كثيرا لهذا الصديق الذي لا يشبه الغرباء و علي الرغم من هذا الصديق يقلد كل حركاته مثل القرد بشكل مضحك , فإن ذلك لم يثنيه عن أتخاذه صديقا , بل و أنه يسميه " مادي " كأسم قريب من أسمه هو شخصيا . و أصبح يجالسه يوميا – واضعا كرسيه أمام المرآة – حتي يكون قريبا منه ليحكي له ما مر به في ذلك اليوم بل أنه كان يستشيره في بعض الأحيان عن بعض أموره و إذا كان صديقه
" مادي " لم يكن يرد عليه فيما يستشيره فيه , فإن " مودي " قد ارجع ذلك إلي أن صديقه ربما كان خجولا مثله.
وذات مساء أبتهج " مودي " عندما أكتشف أن صديقه " مادي " قد أقلع عن عادات القرود ولم يعد يقلد حركاته في كل صغيرة و كبيرة , بل أصبحت له حركاته الحرة المستقلة كاد يعبرعن كافة أنفعالاته بحرية تامة ...... بل وزاد من أبتهاجه أن صديقه " مادي " قد أصبح يبادله الحديث.
و بعد عدة أيام أكتشف " مودي " بمحض الصدفة – أثناء سيره في الشارع الغارق في الضياء بأنه أصبح بلا ظل , فأدهشه ذلك كثيرا و قام بعدة تجارب للتأكد من أختفاء ظله وسط دهشة فائقة .. ولكن هذه الدهشة تحولت إلي الأنزعاج الشديد في أحد الأيام . ففي أحد الأيام قد ذهب إلي أحد محلات الملابس لشراء قميص جديد وفي أثناء وجودة في حجرة القياس بالمحل أكتشف أنه لا يري في المرآة العريضة – الواقف أمامها – سوي خلفية حجرة الملابس الضيقة , ولم ير أثرا لنفسه , مما أصابه بالرعب.
وفي المساء , جلس أمام المرآه ليقص بحزن وأنزعاج علي صديقة "مادي" – الذي لاحظ أنه يرتدي ملابس غريبة عنه – و أخبره بما حدث بغرفة قياس الملابس وكان " مادي" يسمعه بتبرم شديد – ثم قال له :-
لقد ضقت وسئمت أحديثك المملة .
وأصاب ذلك الرد "مودي" بصدمة عنيفة , جعلته ينام حزيناً .
وفي الصباح فوجئ "مودي" بأن صديقه "مادي" يتمدد بجانبة علي الفراش وبقدر ما أذهلة هذا الأكتشاف ، إلا أن أكتشف أكتشاف أخر- كاد يعتصره من الألم – ألا هو فقدان قدرته التامة علي الحركة .. فقد حاول أن يمد يدة إلي "مادي" ليوقظة , إلا أنه أكتشف أن يدة عاجزة عن الحركة , ثم حاول بيأس تحرك أقدامه فاصطدم بذات الحقيقة . فقط لسانه وبصرة هما لا يزالان يمتلكان القدرة علي الحركة ولم يخفف عنه تأكيد "مادي" عندما أستيقظ – بأنه لن يقصر في رعايته – طالما ألتزم الصمت وعدم التدخل فيما لا يعنيه .
ولكنه أصيب بحنق شديد عندما أخبره " مادي " بإعتزامه علي الخروج حالا حيث أنه قد تأخر عن موعد المحاضرة بالكلية.
و سأله " مودي " في حنق :
- أي كلية ؟ و أي قسم ؟ و أي محاضرة ؟
و أجاب " مادي " ببساطة :-
- كلية الآداب – قسم لغة عربية و المحاضرة علي الشعر المعاصر.
أبتلع " مودي " حنقه مع ريقه .. إنها نفس الكليته و نفس قسمة بل و نفس موعد محاضرته.
ماذا يريد " مادي " أن يفعل ؟
أنه يحاول الأستيلاء علي حياته ، بل أنه يستخدم ملابسه ذاتها .
بعد خروج " مادي " ظل مودي يجتز مشاعر الخيبة و الحسرة و الكراهية تجاه من ظن أنه صديقه .. ثم حانت منه نظره تجاه المرآة المواجهة للسرير , فلم يشاهد صورته أو صورة أي شخص آخر , و إنما شاهد محتويات الحجرة المبعثرة .
وفي الأيام التالية , بدي الأمر لمودي و كأنه مؤامرة فلقد بدأ " مادي " يمارس في الشقة تصرفات غريبة أصابته بالانزعاج .. فالمسجل يعمل بصوت عال مطلقاً أغاني شبابية و اجنبية كان مودي متحفظاً في سماعها . كما امتلأ المنزل بصور المغنيات و لممثلا الأجنبية ، و هن و إن كن يعجبن مودي الا انه لم يفكر يوماً – بل كان يستحي ممن أن يعلق مثل هذه الصور باعتبارها ابتذلا .
كان مادي يتصرف قي البيت بحرية مطلقة دون مراعاة رغبات ومشاعر "مودي".
بل و حدث يوماً ما اصاب "مودي" بالانزعاج بل و الرعب. فلقد سمع خليط من الأصوات بصالة المنزل . خليط يجمع بين أصوات الشبان و البنات. أصابه ذلك بذعر إلى حد الموت . فالناس الذين يهرب منهم على بعد أمتار من غرفته.
و انتابته الهواجس حول اقتحام هذا الحشد لغرفته و تمزيق عزلته. و احتار في رعبه كيف يمكن ان يتعامل معهم في هذه الحالة؟ و تساءل في نفسه بغضب : كيف يجرؤ مادي على أن يفرض عليه أوضاع كهذه!!
و فكر في أن مادي أنما يهدف إلى تحطيمه نفسبا بهذه الوسائل!! و تساءل : هل يحق لمادي أن يحطم نظام حياته و يذبح نظام عزلته؟ و قطعت أفكاره موسيقى حديثة عالية كادت أن تصم أذنه إنها ذلك النوع من الموسيق الذي يمقته حاول أن يسد أذنيه ، و لكن يديه المشلولتين عجزتا عن الوصول إلى اذنيه . و تناهت من خلال الموسيقى أصوات نسائية أصابته بالتوتر تلك الأصوات النسائية و صويحباتها التي كان يهرب من الشبان و الشابات فزاده ذلك حنقا .. انه الصديق الذي يعده يكون له وحده .
و أن يشاركه في أسلوبه و سلوكه في الحياة لقد اختاره لذلك ، و قضى معه اسعد الأيام . كانت الموسيقى الهادرة تشوش فكره بقدر ما تثيرأعصابه و كاد أن يصل إلى حالة من الهياج و لكنه في تلك اللحظة " مادي " ليأخذ شيئا في الحجرة. فواجهه مودي بنظرة غاضبة و أشار اليه مستنكراً و معترضا تجاه الأصوات الصاخبة الآتية من الخارج ووجهه مرتعدا بالرعب و الغضب.
قال مادي بهدوء و بساطة :
- انهم اصدقاء و جيران.
و حاول مودي الأعتراض و لكن صوته كان قد احتبس. فحاول أن يشيح بكلتا يديه غضبا و هو يزوم .
و لكن مادي واجهه بابتسامة عريضة و هو يقول :
- الآن ما عليك إلا أن تصمت إلى الأبد .

الحارس


كان حامد المتزوج حديثا , يجلس علي المقهي وفق عادته الصباحية القديمة جدا. يتناول فنجان قهوته مع شيشة المعسل . وعلي المقعد المجاور يجلس الكلب الذي لم يكن كلبه, بطريقة تليق بكلب مميز. ويحمل في عنقه ميدالية عليها نقش خاص . وقد عرف حامد ان القرفة باللبن تلائم مزاج الكلب اكثر في في الفترة الصباحية فكان يطلبها له مع قهوته.

لم يعرف لماذا احضروا له هذا الكلب ليقيم عنده , مصحوبا بتحذير بعدم محاولة طرده او مضايقته. وكان منظره ذاته يغني عن هذا التحذير. واكتشف من اليوم الاول ان هذا الكلب يتمتع بذكاء لاتتمتع به زوجته نفسها.

كانوا قد حددوا بشكل آمر مكان اقامته, فوضعوا له سريرا مناسبا في غرفة النوم بحذاء السرير الكبير. واوقفوا بحزم اعتراض زوجته علي هذا الاختيار. وعاني هو نفسه من هذا الوضع باستياء وضيق , اذ لاحظ منذ اليوم الاول ان الكلب يراقب بشغف اجتماعه الحميم بزوجته, بينما هو عاجز عن طرده من هذا المكان . ولاحظ ان الكلب كان يزمجر كلما شعر هو بضيق من وجوده..

عندماانتهي من شرب قهوته ,و قام ليلحق بموعد عمله. ركب سيارة اجرة واجلس الكلب بجانبه . ومما اثار دهشته ايضا انه منذ المرة الاولي التي ركب فيها الكلب معه وسيلة مواصلات , ان احدا لم يعترض علي ركوبه. وبعد تفكير عميق ارجع ذلك الي الميدالية ذات النقش المميز التي في عنقه.

وعند وصوله الي مقر عمله استقر مباشرة علي مكتبه, بينما قبع الكلب علي مكتب مواجه له , كان رئيس مجلس الادارة شخصيا قد امر باعداده له علي وجه السرعة. واتاح موقع المكتب المواجه تماما للكلب ان يلاحظه بشكل مريح. فكان يثبت نظره عليه دون التفات , وحتي انتهاء مواعيد العمل الرسمية و مصاحبته الي المنزل.وفي تلك الاثناء لم يكن حامد يفكر سوي في امور العمل .. فقد تعلم درسا هاما من بعض التجارب السابقة ..ففي احد الاصباح , بينما يتصفح الجريدة علي المقهي اثناء احتساء قهوته , قرأ عرضا خبرا سياسيا استفزه , فطاف في ذهنه ان بلاده ليست ديموقراطية, بل ولا امل في ان تكون كذلك في المستقبل القريب. فلم يشعر الا والكلب قد انقض عليه وعضه في ذراعه.. كانت الاصابة شديدة , مما دفع باحد رواد المقهي الي نقله للمستشفي لاسعافه, بينما رافقهما الكلب الذي وجه اليه وهو يتالم نظرات التانيب القاسية ...
وفي اليوم التالي كان يجلس علي مقعدة الحمام , بينما وقف بجانبه الكلب علي قدميه الخلفيتين متجاوزا راسه بقامته , وكان يفكر في ان ما تبقي من الراتب لن يغطي مصروف البيت حتي اخر الشهر. فشعر بالحنق , وتردد في نفسه ان اللصوص الرسميين وغير الرسميين لم يتركوا شيئا للناس ليعشوا عيشة كريمة . وفي تلك اللحظة فاجأته العظة الثانية , والتي اكدت له قدرات هذا الكلب غير الاعتيادية ..

بعد ذلك التزم الحذر , ومارس علي نفسه رقابة قاسية فيما يتعلق بمثل هذه الافكار. فلم يكن راغبا في عضة ثالثة بعد ان خالف القاعدة الذهبية ولدغ من الجحر مرتين ..وكان اذا اتاه خاطر ماثل يمنع نفسه من الاسترسال فيه , ويطرده فورا . فكان الكلب يكتفي في هذه الحالة بنباح خفيف , مصحوب بنظرة رضاء..واكتشف حامد بمرور الوقت ان لهذا الكلب العجيب قدرات اخري بخلاف قراءة افكاره, اذ كان يتمتع ايضا بالقدرة علي الايحاء له بافكار معينة عندما تلتقي نظراتهما.
وبعد فترة لم تطل كثيرا , شعر بالارتياح والتوافق مع الكلب , بعد ان تخلص من جميع الافكار التي يمكن ان تؤدي للعض.

وذات يوم جاءوا لياخذوا الكلب , وشكروه علي حسن ضيافته له . ولم يستجيبوا لرجائه بان يتركوه لديه , حتي بعدما تعهد لهم بان يعامله كواحد من افراد الاسرة.
ولم يندهش في الصباح التالي عندما لاحظ ان الناس في الشوارع يمشي كل منهم برفقة كلب , تتدلي من عنقه ميدالية ذات نقش مميز ......






 
Refinance Home
Refinance Home Counter