الموقع الشخصى للقاص المصرى خالد السروجي

Monday, September 04, 2006

أستلاب

لم يكن " مودي " يعاني من الخجل و الأنطوائية فحسب و إنما من خوف مبهم يتحول الي رعب عندما يضطرالي مواجهة الآخرين بالأضافة إلي افتقاره للقدرة علي الدفاع عن نفسه حتي ولو كان محقا أو مظلوما .
وفي المدرسة الأبتدائية , كان شديد الخجل و الأنطوائية و يتلعثم دائما عندما يحاول الأجابة عن سؤال وجهته له مدرسته , و التي كانت تشكو دائما لوالدته من شروده الدائم و عدم تركيزه و أبتعاده عن زملائه . وغالبا ما كان الأولاد يستولون علي سندوتشاته دونما أي مقاومة تذكر منه أو شكوي.
وعندما توفيت أمه , ولحقت بأبيه الذي رحل وهو بعد في الثانية من عمره كان " مودي" في أولي سنوات مرحلته الجامعية وقد رفض بإصرار و أستماته أي محاولة من جهة أخوالة أو أعمامة للإقامة لديهم . و أعتصم بشقة الأسرة غارقا في الأنطواء و العزلة بما أستتبع ذلك من مضاعفة مشاعر الوحدة و تداعيتها فمن المشاعر التي لم يتوقع " مودي " أستعادتها من مراحل الطفولة – تحت وطأة الوحدة و العزلة – تلك المشاعر المتعلقة بتحول الأشياء كتخيلة بأن الشجرة المرسومة علي اللوحة الكبيرة و المعلقة علي حائط الصالة تراودها الرغبه في الخروج عن اللوحة و السقوط علي رأسه أو تخيلة بأن المنضده تعاني من الرغبه في أن تتحول الي كائن حي متعدد الأرجل, بل إحساسه بمعاناة هذه المنضدة للحركة علي أرجلها الأربعة .. أو إحساسه بأن الغرفة المظلمة – وكان يكره الظلام – تمتلئ بمخلوقات معادية لا تحمل له أي ود , و كذلك أستجماعه لكل قواه في كل لحظة ليواجه عقبة الأرتطام بعائق لا مرئي و كثيرا ما كان يحاول مغالبة ما تعلق بوعيه من أحاسيس الطفولة بأن الكون ملئ بالأشباح وفي محاولته لمغالبة خوفه هذا كان يطمئن نفسه – بأن الكون واضح و صريح في وضوحه ولا أثر فيه لكائنات لا يعرفها .
كان في بعض الأحيان وهو نائم علي سريره يتناهي الي سمعه وقع أقدام صادرة عن وسادته , بيد أنه الصمت يسود عندما تغادر رأسه الوسادة قليلا ,كان ذلك جزء من عذاب الوحدة .
و ذات يوم بينما كان يرقد – وحيد علي فراشه, شاهد عصا سوداء تتراقص بالقرب من سريره و كأنها تتمايل علي نغمات راقصة ثم تفرغت العصا إلي ما لا نهاية من الشقوق مما أصابه بالرعب.
ولان طبيعته الأنطوائية و خوفه من الأقتراب من الناس قد جعل زملائه ينفرون منه , فلم يكن له أصدقاء
و أقتصر تعامله مع الناس علي ما هو ضروري للغاية و بالتالي لم يكن له أيضا علاقات بالجيران .
أفضل أوقات " مودي " هي التي يقضيها مع نفسه الشطرنج .. أما عندما ينزل إلي الشارع فكان يسيطرعليه الذعر من أن يستوقفه أحد لمحادثته . لذلك كان خطوه في الشارع سريعا , ناظرا إلي الأرض حتي لا تلتقي نظراته مع أحد .
ولكنه بمرور الأيام أصبح يشعر بحنين جارف للتحدث إلي التحدث مع أحد ورغم ذلك لم يجرؤ علي التفكير في أتخاذ صديق أصدقاء , و كانت الفكرة في حد ذاتها تصيبه بالذعر و علي الرغم من كل ذلك كانت هذه الرغبة تناهي بداخله و تتوحش بمرور الوقت دون أن يستطيع تناميها , و بالأضافة إلي شعوره بالعجز حيال ذلك , فإن هذه الرغبة ظلت تعذبه دون أن يجد لها حلا , فلا القراءة ولا ملاعبته لنفسه للشطرنج أستطاعت وقف تنامي و توحش الرغبة .
و لكنه ذات يوم , و أثناء وقوفه أمام المرآه الكبيرة المثبتة بدولابه و المواجهة للسرير أشعر بألفة شديدة تجاه الشخص الذي يراه أمامه و أحس بسعادة طاغية عندما رآه يبادله الأبتسام و أعتبره ذلك مودة منه ودعوة لكي يكونا أصدقاء و قد أستراح كثيرا لهذا الصديق الذي لا يشبه الغرباء و علي الرغم من هذا الصديق يقلد كل حركاته مثل القرد بشكل مضحك , فإن ذلك لم يثنيه عن أتخاذه صديقا , بل و أنه يسميه " مادي " كأسم قريب من أسمه هو شخصيا . و أصبح يجالسه يوميا – واضعا كرسيه أمام المرآة – حتي يكون قريبا منه ليحكي له ما مر به في ذلك اليوم بل أنه كان يستشيره في بعض الأحيان عن بعض أموره و إذا كان صديقه
" مادي " لم يكن يرد عليه فيما يستشيره فيه , فإن " مودي " قد ارجع ذلك إلي أن صديقه ربما كان خجولا مثله.
وذات مساء أبتهج " مودي " عندما أكتشف أن صديقه " مادي " قد أقلع عن عادات القرود ولم يعد يقلد حركاته في كل صغيرة و كبيرة , بل أصبحت له حركاته الحرة المستقلة كاد يعبرعن كافة أنفعالاته بحرية تامة ...... بل وزاد من أبتهاجه أن صديقه " مادي " قد أصبح يبادله الحديث.
و بعد عدة أيام أكتشف " مودي " بمحض الصدفة – أثناء سيره في الشارع الغارق في الضياء بأنه أصبح بلا ظل , فأدهشه ذلك كثيرا و قام بعدة تجارب للتأكد من أختفاء ظله وسط دهشة فائقة .. ولكن هذه الدهشة تحولت إلي الأنزعاج الشديد في أحد الأيام . ففي أحد الأيام قد ذهب إلي أحد محلات الملابس لشراء قميص جديد وفي أثناء وجودة في حجرة القياس بالمحل أكتشف أنه لا يري في المرآة العريضة – الواقف أمامها – سوي خلفية حجرة الملابس الضيقة , ولم ير أثرا لنفسه , مما أصابه بالرعب.
وفي المساء , جلس أمام المرآه ليقص بحزن وأنزعاج علي صديقة "مادي" – الذي لاحظ أنه يرتدي ملابس غريبة عنه – و أخبره بما حدث بغرفة قياس الملابس وكان " مادي" يسمعه بتبرم شديد – ثم قال له :-
لقد ضقت وسئمت أحديثك المملة .
وأصاب ذلك الرد "مودي" بصدمة عنيفة , جعلته ينام حزيناً .
وفي الصباح فوجئ "مودي" بأن صديقه "مادي" يتمدد بجانبة علي الفراش وبقدر ما أذهلة هذا الأكتشاف ، إلا أن أكتشف أكتشاف أخر- كاد يعتصره من الألم – ألا هو فقدان قدرته التامة علي الحركة .. فقد حاول أن يمد يدة إلي "مادي" ليوقظة , إلا أنه أكتشف أن يدة عاجزة عن الحركة , ثم حاول بيأس تحرك أقدامه فاصطدم بذات الحقيقة . فقط لسانه وبصرة هما لا يزالان يمتلكان القدرة علي الحركة ولم يخفف عنه تأكيد "مادي" عندما أستيقظ – بأنه لن يقصر في رعايته – طالما ألتزم الصمت وعدم التدخل فيما لا يعنيه .
ولكنه أصيب بحنق شديد عندما أخبره " مادي " بإعتزامه علي الخروج حالا حيث أنه قد تأخر عن موعد المحاضرة بالكلية.
و سأله " مودي " في حنق :
- أي كلية ؟ و أي قسم ؟ و أي محاضرة ؟
و أجاب " مادي " ببساطة :-
- كلية الآداب – قسم لغة عربية و المحاضرة علي الشعر المعاصر.
أبتلع " مودي " حنقه مع ريقه .. إنها نفس الكليته و نفس قسمة بل و نفس موعد محاضرته.
ماذا يريد " مادي " أن يفعل ؟
أنه يحاول الأستيلاء علي حياته ، بل أنه يستخدم ملابسه ذاتها .
بعد خروج " مادي " ظل مودي يجتز مشاعر الخيبة و الحسرة و الكراهية تجاه من ظن أنه صديقه .. ثم حانت منه نظره تجاه المرآة المواجهة للسرير , فلم يشاهد صورته أو صورة أي شخص آخر , و إنما شاهد محتويات الحجرة المبعثرة .
وفي الأيام التالية , بدي الأمر لمودي و كأنه مؤامرة فلقد بدأ " مادي " يمارس في الشقة تصرفات غريبة أصابته بالانزعاج .. فالمسجل يعمل بصوت عال مطلقاً أغاني شبابية و اجنبية كان مودي متحفظاً في سماعها . كما امتلأ المنزل بصور المغنيات و لممثلا الأجنبية ، و هن و إن كن يعجبن مودي الا انه لم يفكر يوماً – بل كان يستحي ممن أن يعلق مثل هذه الصور باعتبارها ابتذلا .
كان مادي يتصرف قي البيت بحرية مطلقة دون مراعاة رغبات ومشاعر "مودي".
بل و حدث يوماً ما اصاب "مودي" بالانزعاج بل و الرعب. فلقد سمع خليط من الأصوات بصالة المنزل . خليط يجمع بين أصوات الشبان و البنات. أصابه ذلك بذعر إلى حد الموت . فالناس الذين يهرب منهم على بعد أمتار من غرفته.
و انتابته الهواجس حول اقتحام هذا الحشد لغرفته و تمزيق عزلته. و احتار في رعبه كيف يمكن ان يتعامل معهم في هذه الحالة؟ و تساءل في نفسه بغضب : كيف يجرؤ مادي على أن يفرض عليه أوضاع كهذه!!
و فكر في أن مادي أنما يهدف إلى تحطيمه نفسبا بهذه الوسائل!! و تساءل : هل يحق لمادي أن يحطم نظام حياته و يذبح نظام عزلته؟ و قطعت أفكاره موسيقى حديثة عالية كادت أن تصم أذنه إنها ذلك النوع من الموسيق الذي يمقته حاول أن يسد أذنيه ، و لكن يديه المشلولتين عجزتا عن الوصول إلى اذنيه . و تناهت من خلال الموسيقى أصوات نسائية أصابته بالتوتر تلك الأصوات النسائية و صويحباتها التي كان يهرب من الشبان و الشابات فزاده ذلك حنقا .. انه الصديق الذي يعده يكون له وحده .
و أن يشاركه في أسلوبه و سلوكه في الحياة لقد اختاره لذلك ، و قضى معه اسعد الأيام . كانت الموسيقى الهادرة تشوش فكره بقدر ما تثيرأعصابه و كاد أن يصل إلى حالة من الهياج و لكنه في تلك اللحظة " مادي " ليأخذ شيئا في الحجرة. فواجهه مودي بنظرة غاضبة و أشار اليه مستنكراً و معترضا تجاه الأصوات الصاخبة الآتية من الخارج ووجهه مرتعدا بالرعب و الغضب.
قال مادي بهدوء و بساطة :
- انهم اصدقاء و جيران.
و حاول مودي الأعتراض و لكن صوته كان قد احتبس. فحاول أن يشيح بكلتا يديه غضبا و هو يزوم .
و لكن مادي واجهه بابتسامة عريضة و هو يقول :
- الآن ما عليك إلا أن تصمت إلى الأبد .

0 Comments:

Post a Comment

<< Home

 
Refinance Home
Refinance Home Counter