الموقع الشخصى للقاص المصرى خالد السروجي

Friday, September 22, 2006

أقاصــيص / الــورد


الورد
فى بلكونتى الواسعة أضع أصص الزهور والنباتات التى أعشقها .. فهناك الورد البلدى والقرنفل والخبيزة الأفرنجى والريحان وصبارة … ولا أدرى لماذا اشتريت هذه الصبارة لأعاملها بمثل هذا الجفاء وقلة الاهتمام ، فهى فى وسط هذه الزهور تبدو دميمة للغاية .
وأختلف دائما مع زوجتى بسب هذه الزهور ، فهى ترى أننى أهتم بهذه الزهور أكثر من أهتمامى بها شخصياً .
زوجتى ليست فاتنة ، ولكنها طيبة للغاية ، وتطعينى دائماً وتحرص على أرضائى .. ورغم ذلك فأننى ليست مقبلا عليها ، وكثيرا ما أستشعر الفتور تجاهلها .. ألوم نفسى كثيراً بسبب ذلك ولكن ما حيلتى وأنا لا أعشق سوى الفاتنات 0000 زوجتى لا تهتم بزهورى وتشعر بالغيرة منها 00 وعند دخولى إلى البلكونة صباحا ومساء لأطمئن على ورودى أتوقع دائما التلميحات اللائمة التى تعبر عن الشكوى من أهتمامى بورودى أكثر من أهتمامى بها .
وفى ذلك الشتاء القارص البرودة ، عندما أصابتنى نزلة شعبية حادة منعتنى من الخروج إلى البلكونة لأطمئن على ورودى 0 كنت أستمع إلى ندف الثلج التى ظلت تتساقط طوال الليل وهى تطرق على النافذة ، ليصيبنى القلق على الورد من " النوه " الشديدة 000
وعندما تم لى الشفاء ، كان أول شئ أفعله هو زيارة البلكونة 000 كانت ورودى كلها ميتة من أثر الثلج والصقيع ، وحدها كانت الصبارة منتصبة 0
تحفى الثمينة

تحفى الصغيرة الجميلة ، أعتز بها وأحرص عليها بشدة ، وأزين بها غرفة الصالون .. أضع تحفى على " الترابيزة " الواطئة قليلا لسوء حظى ، ثم أرتعب بشدة عندما ياتى إلينا ضيوف لديهم أطفال .
جيراننا الذين يقطنون فى الشقة المقابلة كثيراً ما يزورننا . لديهم طفل فى غاية الشقاوة ، وعندما ندخلهم إلى الصالون ، كانت عينى لا تغيب عن مراقبة الطفل ، فتدور معه نظراتى القلقة حيثما يتحرك. ولكنه فى أحدى المرات غافلنى وضرب بيده تحفة صغيرة : تمثال " روميو وجوليت " كانت غالية الثمن . ورغما عنى إنفلتت منى نظرة تعبر عن المقت الشديد ، لاحظها والده بقليل من الارتباك وكثير من الاعتذار ، ولكننى لم أستطع أبدا أن تكون مشاعرى ودية تجاه ذلك العفريت الذى حطم تحفتى الثمينة .
أما هذا الشقى الأخر الذى أستطاع أن يغافلنى ويكسر أغلى تحفى : تمثال " بوذا " الرائع ، درة تحف الصالون . غافلنى هذا الشقى وكسره ، ثم توقعاً منه لرد فعلى ، أندفع نحوى ليحتضننى وكأنه يحتمى بى ، فأجد نفسى مضطرا لأن أهش فى وجهه كى أهدئ من روعه ، ثم أحتضنه ناسيا كل تحف العالم وهو يردد :-
" بــابا 000 000 بــابا "





الحنان السرى

لا أعرف منذ متى بالضبط بدأت أراقبها . ولكنها سنوات طويلة لم أمل فيها مراقبتها . شباكها فى المنزل المقابل القريب جداً لضيق شارعنا ، يهبط قليلاً عن مستوى شباك غرفتى ، بشكل يجعلها مكشوفة بكاملها أمام عينى لحد الإحساس بالمعايشة لشدة القرب ووضوح الرؤية .سنوات طويلة مضت منذ غادرت شقيقاتها البنات المنزل الواحدة أثر الأخرى ، وغادر الأب الحياة بعد فترة قصيرة من مغادرة آخر بنت .فى المساء تغلق باب غرفتها بالمفتاح ثم تفتح إحدى ضلف دولابها المغلق أيضاً بالمفتاح . تتحاشى بإصرار غريب النظر فى المرآة . وتبدأ نشاطها اليومى ، أولاً بإفراغ محتويات الكيس البلاستيكى الكبير ، ثم بفتح العلبة المعدنية الصدأة ، وتبدأ عملها وقد اكتسى وجهها بحنان غريب : ملابس صغيرة جداً ، تنهمك فى تطريزها .ابتسم دائماً وأنا أستمع إلى طرقات أمها العنيفة على باب غرفتها ، ثم أتوقع سلوكها المزمن فى هذه الحالة : الارتباك . واحمرار الوجه 0 ثم الإسراع بإعادة المحتويات إلى الكيس والعلبة ، ووضعها بعجلة فى الدولاب وغلقه بالمفتاح . ثم فتح الباب والشكوى المتكررة من ثقل السمع . ثم أراقبها بذات الابتسامة عندما تغلق الباب بالمفتاح ثانية ، وأتوقع ما سيحدث : فتح ضلفة الدولاب المغلقة ، وإخراج الكيس ثم العلبة ، وتحول ملامح الوجه إلى الحنان السرى .سنوات أراقب بشغف هذا السيناريو الذى قد يبدو أحياناً مملاً . يوم واحد فقط كان مختلفاً فى حياتها وحياة المنزل ، الذى أضيئت فيه أنوار الغرف كلها تقريباً . وكان وجهها مضحكاً للغاية تحت تأثير كم المساحيق المبالغ فيه ، والذى جعلها أقرب ما تكون لـ " بلياتشو " . وجاء ضيوف لم يلبثوا أكثر من دقائق ، ثم انشغلت عن مراقبتها بهموم أخرى .ولكننى عندما عاودت مراقبتها ، كانت تتأكد من أن باب الغرفة محكم الغلق .بنت الجيـرانجميلة بنت الجيران الجدد . جميلة وميتة . على وجهها تعبير واحد لا يتغير يجعلها تبدو كتمثال شمعى أو جثة امرأة محنطة . ومغرورة جداً ، لا تبدى أى اهتمام لمحاولاتى للفت نظرها ، ربما كنت سأنصرف عنها ولكن تجاهلها أثار فى نفسى جذوة التحدى والتصميم … عندما استيقظ من قيلولة الظهر أجدها دائما جالسة فى البلكونة ، لا أراها غير هذا التوقيت . جالسة على مقعدها الأثير مصوبة ناحيتى " بروفيلها " الرائع ومصرة أبداً على تجاهلى ، رغم تحركاتى الكثيرة والمبالغ فيها فى البلكونة لكى تلتفت … وأعترف أيضاً بأننى لا فضل لى فى الابتسامة التى فزت بها ، فقد كان الفضل كله لأختها التى همست فى أذنها طويلاً قبل أن تنتظر فتأتى نحوى بابتسامة جعلتنى أكاد أقفز منتشياً .جميلة ونابضة بالحيوية ، بنت الجيران الجدد . ذاب الشمع من على وجهها . عندما أستيقظ من قيلولة الظهر ، أجدها فى مكانها الأثير ، فيها كل يوم جديد…هل هو الحب؟! ولكنها مازالت مغرورة .. لا تمنحنى ابتسامتها اليومية إلا برجاء وإلحاح من أختها فتأتى الابتسامة كأنها متفضلة . بروح مغامرة قررت أن أقوم بعمل جرئ . وكانت الفرصة متاحة بخلو بلكونات الجيران وعدم وجود أختها . على الرغم من أن صفيرى سيئ للغاية ، فإنه بلا شك سيطرق سمعها ويحقق الغرض منه وليحدث بعد ذلك ما يحدث .. كثفت شجاعتى لتتجمع فى فمى ولكن الصفير توقف على لسانى فجأة وقد انتبهت إلى أنها تحملق فى قرص الشمس المتوهج من فترة طويلة .
بنت عم حامد

مسكينة ليلى بنت عم حامد ، يأتينى صوتها فى المساء تصرخ من ضرب الوحش حامد. حامد بواب العمارة المقابلة ليس وحشا ، أعنى أنه ضئيل الجسم جداً ،بل ويذكرنى منظره بفأر مذعور دائماً . ولكنه يتوحش فى المساء عندما يضرب ليلى . أستطيع بسهولة أن أستنتج أن زوجة حامد وراء طقوس الليل الوحشية ، التى لا ينافس انتظامه فيها سوى فرض العشاء . أتعاطف مع ليلى دائما وأهش فى وجهها إذا ما ظهرت فى شباك بدرومها الواطئ جداً بحيث يلامس أرض الشارع ، وأحرض أختى على التنازل لها عن بعض ملابسها القديمة نوعاً ، والترفق فى معاملتها . ضئيلة جداً مثل حامد هذه البنت ، تجافيها أمارات الأنوثة ، وتكسو وجهها ذلة ومسكنة تشعرنى بالرثاء .ولكن دهشة غاضبة تتقمصنى عندما تخبرنى أختى بما يدور . عجباً ! أنا أحب ليلى ؟ بل وألقى إليها خطاباً غرامياً أثناء مرورى بحذاء شباكها !! والأكثر من ذلك أن إحداهن قد اطلعت على نص الخطاب . وبالقطع لم أسأل أختى كيف تأتى لها العلم بالأمور ، فأنا أعلم بوجود شبكة معلوماتية تضم بنات الشارع وتسعى إلى تحقيق مبدأ اشتراكية المعلومات بدءاً من الأخبار وانتهاءً بالأسرار .ولكنى عندما راحت الدهشة وتلاشى غضبى الهش . بدأت أستمتع بما ترويه أختى حول هذا الموضوع بل وأحثها على تصيد آخر الأخبار ، وإن كنت قد امتنعت عن أن أهش فى وجه ليلى ، وأتحاشى الوقوف فى البلكونة خشية تأويل الأمر . ولكن أجدنى أشارك فى الحكاية – كمتلقى – باستمتاع وفضول شديدين ، وأختى تواصل تزويدى بآخر الأخبار علاقتى مع ليلى التى غاصت فى الحب بكامل جوارحها كما لاحظت البنات سرحانها الدائم وحالتها الحالمة وهى تردد بعض عبارات الغرام التى أبثها فى خطاباتى ، وشعور الظفر الذى يحتويها حينما تخبر بعضهن بعزمى على أن أتزوجها فور تخرجى من الجامعة رغبة منى فى إنقاذها من براثن عم حامد ودسائس زوجته .مرة واحدة فقط هى التى خالفت فيها الحظر الذى فرضته على نفسى بالوقوف فى البلكونة ، وكانت ليلى فى شباكها الواطئ وقد بدأت رادارات شديدة الحساسية تتقاطر على البلكونات المنتشرة على طول الشارع وكنت على وشك الانسحاب عندما لمحت بطرف عينى البنت ليلى تنظر نحوى وهى ترد على ابتسامات وإيحاءات لأفعال وحركات لم أقم بها أصلاً ، وهو ما جعل الرغبة فى الضحك تتفجر بداخلى ولكن الرغبة قتلت فى داخلى قبل أن تظهر فى تجليها الأخير ، بفعل شعورى بحصار الرادارات شديدة الحساسية و هو ما جعلنى أعجل بانسحابى المحسوب بحيث لا يثير الريبة .ولكن اللعبة وصلت إلى قمة إثارتها ، بحيث تحتم إيقافها بشكل حاسم ، بعد أن أخبرتنى أختى بأن الساعة السادسة بالضبط ، وهو ميعاد أول مقابلة مع البنت ليلى ، وكان محتماً أن تنتهى المسألة بشكل أقرب إلى العلنية ، وهو ما جعلنى أقف فى البلكونة بملابس البيت ابتداءً من الخامسة والنصف …… ومع اقتراب الساعة السادسة بدأت الرادارات تتقاطر على البلكونات ، ثم ظهرت البنت ليلى فى شباكها الواطئ وقد تزينت ولبست أفضل ثيابها وارتسمت على وجهها ابتسامة مرحة ، ثم بدأت ألاحظ ازدياد توترها مع اقتراب السادسة التى ما أن حلت حتى لمحتها تنظر نحوى بقلق شديد ، تحول فى لحظات قليلة إلى تجهم ، ثم نظرات منكسرة تطوف على رادارات البلكونات ، ثم اختفت فجأة من الشباك الواطئ مما جعلنى أزفر بارتياح . كنت أستعد ، بينما الرادارات المنتشرة تستعد هى الأخرى لمغادرة البلكونات عندما لمحتها تعدو فى الشارع كأنها تريد اللحاق بموعد ما ، وكانت سعيدة و منطلقة .ا لبـوحببطء شديد .. كان رأسها المنكس أمامه يرتفع تدريجياً .. لتواجهه بوجهه حزين ، ونظرات منكسرة ، وقلب ينقله الهم والسهر الدفين .. والتردد المضنى بين البوح والكتمان .. تكاد الكلمات أن تنطلق من فمها .. ثم تحتبس تحت وطأة نظراته الصارمة.ماذا تقول ؟!البنت التى كرس عمره من أجلها ضاعت فى غيبته .. السر الرابض فى أحشائها يكبر يوما فيوم ، ويتجه للإعلان عن ذاته .. ولا مفر من الفضيحة .أم تقول أنها أذنبت وقصرت وتستحق " أن يفعل بها ما يشاء .. ولكن عذرها أنها امرأة لم تستطع أن تملأ فراغ غيبته .. لا تلومه ولكن تلتمس عذره .تخترقها نظراته الصارمة الثابتة ، وتغوص فيها ، ملاحقة السر فى طيات صدرها ، فتوقن بقدرته على أن يقرأ السر بداخلها كالعادة .. فلا تجد مناصا من البوح بالمكنون .. ينطق لسانها ببضع كلمات غير مفهومة فتسبقها الدموع ويعجز اللسان . تستغرق بكاء مرير وعندما تنتهى تسمع أثار دموعها ، وتلتقط أنفاسها المتهدجة .. ثم تمتد يدها برفق لتزيل ذرات الغبار المتراكمة على الإطار الزجاجى للصورة .. قبل أن تشرع فى مناجاة طويلة .
الفنـانـة
جميلة ياسمين بنت أختى ، حساسة جداً ، وعقلها يسبق سنينها التسع 0 تعشق الرسم والألوان والعرائس ، ولكنها قليلة الكلام جداً بالنسبة لطفلة ..أحاول دائما أن أستدرجها إلى حديث طويل ، فلا ترد إلا بكلمات قليلة ، وكانها تخشى نفاد ذخيرتها من الكلام . تهرب من الحديث الطويل وتجرى إلى الفرشاه والألوان ترسم وترسم ، وتظهر السعادة على وجهها عندما أقول لها أنها فنانة ..أعشقها هذه البنت ، ولكن يضايقنى جدا أنها لا تقول لى أنها تحبنى ، رغم حبى لها والعرائس الكثيرة التى أغرقها بها .. شقيقها الأصغر أحمد يقول لى دائماً - : " أحبك يا خالى " . ولكنها لا تقول .فى عيد ميلادها الاخير أشتريت لها سبورة سحرية ، عند الرسم عليها بقلم بلاستيكى يظهر الرسم بخطوط فسفورية مضيئة وجميلة ، تمحى بسهولة عند فتح غطاء السبورة ثم أغلقه. بعدما أطفات البنت شموع التورتة ، تلقت قبلاتنا وهدايانا ، ثم أنزوت بعيدا وفى يدها السبورة ، وعندما أقتربت منها وأخذت أتأمل فيما ترسمه ... كانت ترسم قلباً كبيرا ، وبداخله كان أسمى .شوق سأزورها اليوم ..هى أمى ولن يستطيع أن يمنعنى ..من يصدق أننى لم أرها منذ عدة شهور . رغما عنه سأزورها اليوم . ومن ذا الذى يستطيع أن يمنعنى من زيارتها فى العيد ، وهل هناك عيد بدون أمى ؟ سأقول لها كل سنة وأنت طيبة يا أمى .سألقاها ، وأبث لها شوقى ، وأحكى لها عما جرى فى تلك الشهور .سأحدثها كثيرا وأشكو لها متاعبى ، وسأصارحها بأننى أكرهه وأبى أيضاً يكرهه لماذا لا تنتهى صلاة العيد ؟ الصلاة طالت وأنا متعجل . أردد أنشودة العيد الشهيرة ، وذهنى مشغول بها ، أتخيل شكل اللقاء فتغيب عنى معنى الكلمات التى أرددها .تنتهى صلاة العيد أخيرا ، فلا أنتظر لسماع الخطبة ، وأسعى إليها .. ستكون موجودة بالقطع .. أشعر بأننى فى سعى أكاد أعدو لأصل إليها ..لكن الخاطر اللعين يجعل سيرى ببطيء رغما عن : سأجده هناك هذا الذى لا أطيقه ، ولكنى أعود إلى عدوى وأنا أحدث نفسى : لن أهتم به ، ولن يستطيع منعى من مقابلتها.. وها أنا أقترب من مكانها ، فتأخذنى رجفة ..ولا تستطيع قدماى أن تحملانى ، فأجثو على قدمى ، وأبكى بجانب قبرها ..الهدف أسير فى الشارع المزدحم ، فأخطو خطوة ثم أقف هنيهة لأتفادى أصطدمى بأحد المارة.. ثم أعاود السير بشكل عشوائى فى إتجاهات متضادة ، وبسير متعرج وفقاً للمساحات الخالية التى تظهر بين الزحام ، بينما المارة يتوقفون كثيرا مثلى لتفادى الاصطدام بشخص ما.ولكننى فوجئت بالمارة أمامى وكأنهم يفسحون الطريق لشخص ما قادم ، ثم مر من جانبى هذا الشخص بسرعة كبيرة بدت غير متناسبة مع هذا الزحام . كان نظره وكأنه مثبت على نقطة ما أمامه ، لا يحيد عنها ، ولم يكن يلتفت فى أى أتجاه وكأنه لا يخشى الاصطدام بأحد ، وبدا وكأن المارة هم الذين يخشون الاصطدام به ..كان يسير بسرعته هذه فى خط مستقيم ، بينما الزحام ينفرج من حوله بشكل مستمر ليمرق من خلاله وكان نظره لا يزال مثبتاً على نقطة ما ..تقـزم لا أدرى لماذا كنا جميعاً نرهبه فهو لم يؤذ أحد منا، بالإضافة إلى كونه صديقنا .عندما كان " عباس " يطل علينا بجلبابه الطويل كنا نتوقع دائما حديثا عن الحلال والحرام والعذاب ، كانت اجسادنا تقشعر مما يذكره عن عذاب القبر والنار ، ويزيد من تلك القشعريرة صرامة تعبيراته وقوة صوته ..الأغرب من ذلك أن ما كنا نستشعره من خوف فى حضوره ، كان يعيد إلى نفوسنا ما كنا نستشعره من رهبة تجاه الأباء فى الصغر ، والمدرسين فى مدرستنا . كنا نخاف أن نخطئ أمامه بشىء قد يكون حراما أو يستوجب العذاب ، ونتصرف جميعاً بحذر كما لو كنا نخشى أن ينتقدنا " عباس " الذى كان يشارك فى جميع مناقشاتنا ، ويصوبها من وجهة نظره ، فهذا الموقف حلال ، وهذا حرام ، وهذا الرأى يستنزل لعنة الله ، وذاك يستوجب الرضا . كان يبدو بيننا عملاقاً ، وكنا لا نجرؤ على مناقشة احكامه ، وإذا حاول أحدنا المناقشة ، كانت نظره من عينيه فيها اتهام بالضلال والزيغ كفيلة بإنهاء أى نقاش . وبالأمس عندما طرح صديقنا " نور " قضية الحداثة فى الأدب والفن ، فقد استعل النقاش بيننا ، وأخذ كل منا يدلى بوجهة نظره ، ونحن نستعرض المذاهب الحديثة فى الفن والنقد ، وكان " عباس " صامتاً طوال الجلسة ، منكمشاً فى كرسيه ونظراته زائغة ، وهم أن ينطق بشىء ، ولكنه تراجع . بدا لى مع سخونة الحوار بأنه ينكمش شيئاً فشيئاً ، حتى ظننت أن سيتكور على نفسه

تحـدى

لأول مرة ظننت أنه مجذوب 0
لحيته الطويلة ، ووجهه المرهق المصفر ، والنظرات الذاهلة فى عينيه ، وجلبابه المتسخ 0
يحمل فى يد عصا مثبت فى أخرها قطعة قماش بألوان العلم 0 ولكن شكى تبدد بعدما علمت أنه والد التلميذ بالمدرسة المجاورة لمنزلى والذى دهسته مؤخراً شاحنة البضائع المملوكة لأحدى التجار الذين لمعوا فى حقبة السبعينات 0
بدأ يظهر فى الشارع أمام المدرسة بعد يومين من الحادث 0 ياتى مبكرا ويساعد الأطفال فى عبور الشارع الخطر أمام المدرسة ، ثم يجلس على الرصيف منتظراً أنتهاء موعد الدراسة ليساعدهم فى عبور الشارع إلى الرصيف المقابل 0
يقف فى منتصف الشارع بجرأة ، شاهراً العلم فى وجه السيارات ليجبرها على الوقوف ، ثم يعبر بالأولاد فوجاً بعد فوج ، وبعدها يذهب إلى حيث لا يدرى أحد أين يسكن ، ليعود مبكراً فى اليوم التالى فى موعد المدرسة 0
أراقبه وبعض من علم بقصته يدس فى يده بعض النقود ، فيقبلها بلا غضب وأيضاً بلا أمتنان ، ثم الحظه وهو يدسها بسعادة فى جيوب الأولاد 0
لا يكل من المجيء كل يوم ، حتى فى الطقس القارص والمطر ، ولا يأبه بوقفته المتحدية لطريق السيارات ، شاهرا فى وجهها العلم ليجبرها على الوقوف ، بينما يكتسى وجهه بالتحدى السافر والصرامه 0
عندما خرجت إلى الشرفة ذات يوم على صرخات الأولاد ، كان ملقى فى وسط الشارع بعدما أطاحت به إحدى السيارات ، وكان الأولاد متحلقين حوله يبكون .

أغانى نور

كان الكبار يقولون عن " نور " أنه مجنون ، وأنه من الخطر علينا مصاحبته فقد يضرب أحدنا أو يعضه 00 ولكننا نحن الأطفال كنا نحبه ، ولم نكن نصدق أنه مجنون ، على الرغم من كلام الكثير الذى لا نفهمه أحيانأ 00 لذلك لم تفلح محاولاتهم المستميتة سواء بالحيلة أو بالقوة فى صرفنا عن " نور " 0 كنا نغافلهم ونذهب لكى نلتقى به بعيداً عن أعينهم .
كان يروى لنا حكايات غير الذى نتعلمها فى المدرسة ويعلمنا الأغانى التى لا نفهم بعض معانيها ، والتى على الرغم من ذلك أحببنها كثيراً 000 وفى كل مرة نجتمع فيه مع " نور " يحكى لنا ويغنى ونغنى معه ، كنا نلاحظ أن عيوناً تراقبنا من أماكن شتى ، وعندما يهبط الظلام كانت العيون تلمع ببريق مخيف ، ولكن وجوده معنا كان يبعث فينا الطمأنينة .
كانت الأيام تمضى معه رخوة هنية ، إلى أن جاء يوم لم نحزن فى طفولتنا مثلما حزنا فيه 000000
أختفى " نور " فجأة
انطلقنا نبحث عنه فى كل مكان نعرفه ، وسالنا عنه كل الناس ، فلم نصادف من الجميع سوى الصمت والنظرات المحذرة 000
كانت الصدمة قاسية علينا كأطفال ، فأعتكف كل منا فى منزله لا يبرحه 00 فلا تجمع ولا لعب ولا ضحك ، فقد انقطعت الحكايات وسكت صوت الأغانى 0
وأخيراً إستطعنا تجاوز الأزمة 000 أصبحنا نجتمع فى نفس المكان بعد غيابه ، ونتداول حكايته التى كان يرويها ، ونغنى الأغانى التى كنا نسمعها منه 0
كانت الايام تمر ، ونحن نكبر 00 وشيئاً فشيئاً بدأنا نفهم الكلمات والأغنيات التى لم نكن نفهمها00 ثم لم تلبث أن عادت تلك العيون ذات البريق المخيف تطل علينا من جديد 00

أغتيال

أختارته لكى تولد منه 000000
ليس فى الدنيا أرق إحساساً منه . فى أعماقه يكمن فنان ، فى قلبه يقبع قديس. لذلك أختارته لكى تولد منه 00
عندما جاءت ساعة المخاض ، خرجت نوراً 00 تجسدت أمام عينية كأروع ما تكون امرأة 00 جسدها البلورى الصافى يرى من خلاله العالم .
كان يعزف لها على قيثارته ، وكانت تغنى بصوت حزين 00
عندما قتل أبوه ذات يوم ، أتاه أخوته 00
قالوا : ننتقم 0
قال : لا 0
قالوا : أتترك دم أبيك ؟ أتترك قاتله الشرير ؟
قال : الشر لا يمحى بالشر
قالوا : أتجبن ؟ أتضعف . أتكون كامرأة ؟
ملئوا قلبه حقداً . ضعف . رضخ 0
فى المساء ، أختاره لكى يولد منه 0000
أسود كالليل بلا قمرا ولا نجمات 0 تجسد رجلا فى يده الخنجر يلمع فى وهج المصباح 00 أمتدت يده لتطعنها ، ثم تلاشى وذاب فى الليل المنتشر 00
هاله تغيرها : الجسد البلورى أستحال أديما 00 لم يعد يرى من خلاله الأشياء 0
جزع 0 سألها : ماذا أصابك ؟ 000 الصمت يدوى ، ما ياتى جواب 0
نظرت باللوم توجهه إلى عينيه 00 قرأ بعينيها صرخة 00 دوت صرخاته المجنونة : - كلا 000 لست القاتل 0
كانت تذوب 00 وتتلاشى 00 رويدا 00 روايدا 0
شطرنج
رفع عينيه من فوق الرقعة ، ثم قال محذراً :
- أنتبه هذا العسكرى سوف يأكل وزيرك
( أعادنى إلى ما كنت أود أن أنساه )


كان الطرق على الباب عنيفاً وكان الوقت ليلا 00 استيقظت على الضجيج 00 استطعت بأذناى المنتبهتين وعيناى النصف مفتوحتين ، أن أتابع ما يجرى :
كان العسكرى يسأل عن أخى ، أنقبضت لرؤيته 000 أنكرت أمى وجود أخى النائم إلى جوارى ، وحاول أبى منع العسكرى من الدخول 00 كان العسكرى فظاً قاسياً 00 دفع أبى وأمى حتى كادا أن يسقطا على الأرض ثم أندفع إلى حجرتنا كثور هائج ، وأنتزع اخى النائم إلى جوارى بقسوة 000
فى عين أخى كانت نظرة ساخرة مستهينة ، وكانت أمى تبكى ، وأبى يتمتم بدعاء على الظالمين.


قال بلهجة الواثق :- " أن دفاعك سينهار حتماً أمام الضغوط 00 الأفضل أن تستسلم "
( أبيت الاستسلام )

مضت شهور ولم يعد أخى 00 وأمى لا تتوقف عن البكاء الأ لتعود إليه ، وأبى دائم الشرود ، وأنا أفتقده وأبكى لغيابه بكاءه أم ثكلى 0
فى يوم استدعوا أبى 000
قالوا :- " فليعترف على زملائه ، وسيعود معك للبيت "
قال :- " أبنى لا يفعل ذلك "
قالوا :- " سنعذبه حتى يعترف "
قال :-" ليحفظه الله خير الحافظين "


قال بثقة :- " كش ملك " 000 ثم أردف قائلا :- ألم أنصحك بالاستسلام 0 لقد مات "
( أنطلق يضحك منتشيا بالنصر )

لم أصدق أنه مات ، حتى بعدما أحضروا لنا الجثة 0 لم تقو أمى على ذلك ، فسقطت مغشياً عليها 0 وأبى المكلوم ، لم يفرغ لسانه من الدعاء 0
على القبر الى زعموا أنه لأخى ، زرعت نباتاً 00 تعهدته بالسقاية كل يوم ، وكنت سعيدا عندما رايته ينمو 0

مازال صاحبى مزهوا بالنصر الذى حققه ، وأنا أحملق فى الرقعة غير مصدق 0
فجأة صحت فيه : - " ( لا 00 أنه لم يمت 00 مازال هناك مخرج ) "

0 Comments:

Post a Comment

<< Home

 
Refinance Home
Refinance Home Counter