الموقع الشخصى للقاص المصرى خالد السروجي

Friday, September 22, 2006

نداء الجنة

نداء الجنة


وقف الصغير ذاهلا أمام السرير . كان بتأمل بفزع وجه أمه الجامد المزرق وعينيها المغمضتين . وامتدت يده الصغيرة المرتعشة تهزها:
- أمي . أمي .
ولكنها لم تتحرك ولم تفتح عيناها . وعندما أستولي عليه اليأس، أنطلق من صدره بكاء حار ، جاء على إثره عويل النسوة اللاتي يرتدين السواد . وجاء والده مسرعاً وأنتزعه من فوق السرير ، خرج به من الغرفة ، بينما الصغير يقاومه محاولاً الإفلات منه .
قال الصغير – وهو يضرب والده بقبضتيه الصغيرتين :
- أريد أمي . أريد أمي
قال والده وهو يحاول السيطرة على بكائه :
- أمك ماتت
لم يكن الصغير يعرف بالضبط معنى كلمة ماتت ، ولكنه كان يدرك أنها كلمة سيئة كالمرض .
عندما حملوا جسد أمه ليضعوه فى النعش بكى بمرارة ، وحاول أن يفلت من قبضة والده لينقذ أمه من الأيدى التى تحملها ، وصرخ فيهم :
- إلى أين تأخذون أمي ؟
وفى المساء ، كان الصغير يبكى وهو يسأل والده المنهك:
- أين ذهبوا بأمي ؟
أجابه بصوت متهدج :
- أمك عند الله فى السماء
- وهو الذى أخذها ؟
- نعم
يعرف الصغير الله ككبير يعيش فى السماء ، وقادر دائماً على معاقبة من لا يسمع الكلام ، أو يضرب أحداً ، أو يوذى القطط . ولكنه على الرغم من ذلك قال لوالده :
- ولماذا أخذها هى ؟ !
نظر إليه والده بمزيج من اللوم والإشفاق .
قال الصغير بعناد :
- ولماذا لم يأخذ أم أحد آخر ؟
أطرق الصغير قليلاً ، ثم عاد يسأل بصوت مرتعش :
- هل سيعاقب الله أمي ؟
الصغير أستقر على ساقي والده الذي رفعه وأحتضنه وقبله بحنو شديد :
- الله يحب أمك . لقد أعطاها قصر في الجنة .
اتسعت عين الصغير من الدهشة ، فأكمل والده :
- في الجنة حدائق وفواكه كثيرة ، وأمك تعيش الآن سعيدة ، فالله يحبها ويعطيها أشياء كثيرة .
الصغير أطرق يفكر ، وتخيل أمه تقف أمام الله ، وأن الله ينظر إليها بحب ويضحك لها ، وأنها تقف أمام الله وهى غير خائفة من حجمه الكبير جداً . ثم تخيل يد الله الكبيرة جداً تمسك بأمه التي مثل عقلة الإصبع وتضعها في قصر جميل مثل الذي شاهدة في التليفزيون ، وتخيل أمه وهى تمشى بين أشجار القصر وتقطف التفاح والمانجو من الشجر . وشعر الصغير بموجة عار مه من الحب تجاه الله ، وتبدلت مشاعره السابقة ، فها هو الله لا يعاقب أمه ويعطيها قصراً فيه فاكهه من كل نوع . ولكنه عاد يشعر بالقلق إزاء غياب أمه .
سأل الصغير والده بقلق :
- متى ستعود أمي ؟
- أمك الآن في الجنة
قال الصغير بنفاد صبر :
- أعرف . ولكن متى ستعود ؟
الذين يذهبون إلى الجنة يعيشون فيها ولا يعودون .
تجهم وجه الصغير الذي كان يعتقد أن أمه ستقضى عدة أيام في الجنة ثم تعود ثانية ، وأطرق يفكر .
قال الصغير لوالده :
- إذن خذنى إليها في الجنة
- من يموت فقط يذهب إلى الجنة
قال الصغير بإصرار :
- إذن اجعلني أموت وأذهب إليها .
لم ينم الصغير هذه الليلة . وعندما تأكد من نوم والده تسلل إلى البلكونه ، وأخذ يبحث بنظره في السماء عن الجنة . كانت السماء خالية أمامه إلا من النجوم . أخذ يدقق النظر لعل الجنة تكون خلف هذه النجوم . ظل الصغير يحدق في السماء ويفرك بيده في عينيه من وقت لآخر . وفجأة بدأت الجنة تظهر أمام عينيه . في البداية ظهرت الأشجار ، ثم شيئاً فشيئاً ظهر القصر الجميل ، ثم بعد ذلك رأى أمه تمشى بين الأشجار فنادى عليها . ورأى أمه تنظر إلى أسفل ثم تراه وتناديه ، ثم غلبه النعاس وهو مستند بظهره إلى حائط البلكونة .
بعد عدة أيام – وكان يوم خميس – أستيقظ الصغير من نومه ليجد عمته وقد ارتدت ملابس الخروج السوداء .
سأل الصغير عمته :
- إلى أين تذهبين يا عمتي ؟
قالت العمة وهى تربت على كتفه :
- سأزور أمك
اجتاحت الصغير سعادة غامرة ، فعمته ستذهب إلى الجنة – دون أن تموت – وسترى أمه .
تشبث الصغير بعمته وهو يقول لها :
- سأذهب معك إلى الجنة لأرى أمي .
شعرت العمة بالندم لأنها أخبرت الصغير بأمر زيارة أمه ، وفكرت في طريقة للتخلص من هذا المأزق الذي نتج عن انفلات لسانها.
قال العمة للصغير :
- لا يسمحون في الجنة بدخول الأطفال . عندما تكبر سآخذك معي
الصغير تشبث بملابس العمة ، وقال بإصرار :
42
41- بل سأذهب معك إلى الجنة لأرى أمي
شعرت العمة بصعوبة التخلص من هذه الورطة فقالت للصغير:
- أستأذن أباك . إذا وافق سآخذك .
أنطلق الصغير إلى والده فرحاً :
- أبى سأذهب مع عمتي إلى الجنة لأرى أمي .
ارتسمت على وجه الأب دهشة ممزوجة بالغضب ، ثم أنطلق خارجاً من الغرفة .
قال الأب للعمة بغضب :
- هل جننت لتخبريه بذلك !!
قالت العمة أسفه :
- أنفلت لساني رغماً عنى .
أطرق الأب مفكراً ، ثم قال للعمة بلهجة حادة :
- من المستحيل الآن إقناعه بعدم الذهاب . الأمر لله . ولكن لابد أن أجئ معكم ليكون تحت رعايتي فلست أطمئن عليه بدون وجودي .
العمة ساعدت الصغير في ارتداء ملابسه . وبعد قليل مرت سيارة تحمل خالات الصغير الذاهبات لزيارة المتوفاة . كان الصغير سعيداً وهو في الطريق إلى أمه ، وأخذ يعد في رأسه الكلمات التي سيقولها لها عندما يراها . وقرر أن يطلب من الله أن يعيد معه أمه إلى البيت . الصغير كان متأكداً من الله أصبح يحبه وسيسمح بعودة أمه إلى البيت من أجل خاطره ، لأنه منذ أن ذهبت أمه إلى الجنة لم يضرب أحداً ، ولم يؤذى القطط . وأخذ الصغير يستجمع شجاعته لمقابلة الله ، لأن الله كبير جداً وسيكون هو أصغر من عقلة الإصبع أمامه . وكان الصغير يفكر أيضاً في أن يقطف بعض التفاح من شجر الجنة ويعود به إلى البيت مع أمه . كان الصغير يفكر في هذه الأشياء ، بينما تلوح في الأفق مساحة ترابية كبيرة تتناثر فوقها الصناديق الرخامية المستطيلة ونباتات الصبار
.

0 Comments:

Post a Comment

<< Home

 
Refinance Home
Refinance Home Counter